الدستور/عريب الرنتاوي

ليس التصعيد الأمني الذي انفلت فجأة من عقاله في العراق، سوى ’’رجع صدى’’ للتأزم المتصاعد في علاقات واشنطن مع كل من طهران ودمشق، الأولى على خلفية برنامجها النووي، والثانية على إيقاع التحقيق في جريمة اغتيال الحريري وانشقاق عبد الحليم خدام. بالطبع، لا يمكن للمراقب الحصيف أن ينكر أثر الاحتقانات الداخلية الناجمة عن شبهات التزوير والترويع التي أحاطت بالانتخابات الأخيرة، كما لا يمكن لعاقل أن يتجاهل أثر ’’التغول الطائفي’’ الذي أعقب الانتخابات وما رافقته من مواقف وتصريحات تتسم بالغطرسة والعنجهية ضد العرب السنة، بيد أن أحدا من المتتبعين للمشهد العراقي لا يمكنه في الوقت ذاته، التنكر أو التقليل من شأن انعكاسات الإقليم المتأزم على مجريات المشهد العراقي.

طوال العقود الثلاثة الماضية، كان لبنان ساحة مفتوحة لتسوية الحسابات بين القوى المتصارعة فيه وعليه، وكانت الأزمات الإقليمية والدولية المتفاقمة ’’تتنفس’’ على أرضه وعبر فرقائه، اليوم تبدو الصورة مختلفة بعض الشيء، فالعراق أخذ عن لبنان العبء الرئيس لهذه الوظيفة الدامية، من دون أن ينجو لبنان نهائيا من أعراض هذا الدور المدمر.

لا يجوز بحال، التقليل من شأن الأوراق التي يمتلكها التحالف السوري - الإيراني في المنطقة، كما لا يجوز بحال أيضا، التقليل من حجم المصالح المشتركة التي تربط الحليفتين الاستراتيجيتين، فهما من جهة تقعان في ’’بؤرة الاستهداف’’ الأمريكي، يجمعهما ’’العدو المشرك’’، وكلتاهما مهجوستان من جهة ثانية بـ’’شراء الوقت’’: طهران لإنجاز برنامجها النووي، ودمشق بانتظار خروج شيراك من الإليزيه أولا، وجورج بوش من البيت الأبيض تاليا.

ولكلتا الدولتين امتدادات ونفوذ ووجود مع جغرافيا وديمغرافيا الأزمات المشتعلة في المنطقة: العراق، لبنان وفلسطين، ولكل منهما علاقات هيمنة واستتباع مع فصائل ومنظمات وحركات حليفة وعملية وتابعة، ولكل منهما القدرة على الإسهام في تأجيج او احتواء التوتر الأمني والمواجهة العسكرية على هذه الساحات الثلاث. حتى الآن، تكتفي العاصمتان المتحالفتان منذ أكثر من ربع قرن، بالتلويح بما لديهما من أوراق، وتكتفيان باحترام قواعد ’’الملاكمة’’ التي تنص على الضرب فوق الحزام، لا لشيء إلا لأنهما ما زالتا تراهنان على إمكانية تفادي الأسوأ، وتجنب أم المعارك مع واشنطن وحلفائها.

لكن السؤال الأخطر: ماذا لو توصلت العاصمتان إلى الاستنتاج بأن ’’لا بد مما ليس منه بد’’، والأهم ماذا لو توصلتا إلى هذا الاستخلاص في وقت متزامن كما تشير دلائل اللحظة السياسية، هل ستلجآن إلى ’’خيار شمشون’’، وأي معبد أو معابد، سيجري هدمها على رؤوس من فيها، ومن هي القوى التي تستطيع تحمل أوزار دفع المنطقة نحو خيار من هذا النوع. ما جرى في لبنان من اغتيالات وتفجيرات وازمات حكومية وطائفية، وما يجري في العراق من انهيار أمني وتفاقم حدة الاستقطاب الطائفي، وبعض ما يجري في فلسطين من عمليات تفلت وفلتان خصوصا على مسار الهدنة والتهدئة مع إسرائيل، ليست في واقع الحال سوى نذر وإرهاصات، أو بالأحرى ’’بروفات’’ لما يمكن أن تكون عليه صورة المنطقة وساحات المواجهة المديدة والمريرة فيها.