النهار/محمد علي الأتاسي

حسناً فعل الأستاذ جهاد الزين في مقالته المنشورة في صفحة "قضايا النهار" بتاريخ 3/1/2006 بمطالبته رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة بضرورة اعتبار الاعتداءات على العمال السوريين "قضية دولة" من الدرجة الأولى تستدعي الإيعاز لوزير الداخلية بعقد اجتماع خاص للقوى الامنية والمراجع القضائية المعنية يخصص لدرس حالات الاعتداء المتواصلة على العمال السوريين، قتلا او تنكيلا، ودرس سبل معالجتها.

وكان سبق لجهاد الزين عشية 14 آذار أن كتب في "النهار" بتاريخ 4/3/2005 مطالباً ما كان يعرف وقتها بقوى المعارضة أن تشكل لجنة لرصد الاعتداءات ومقاضاة المعتدين على العمال السوريين من خلال تحويل المتهمين إلى السلطات القضائية وتقديم شكاوى من قبل محامي المعارضة ضدهم. هذا مع العلم أنه إلى يومنا هذا، وبحسب معرفتنا المتواضعة، لم يتم توقيف أو محاكمة أي من المعتدين برغم إساءتهم إلى لبنان بقدر إساءتهم إلى سوريا.

لكن ومع توافقنا التام مع معظم ما ذهب إليه جهاد الزين في مقالتيه المذكورتين آنفاً، فإننا نحب أن نضيف جوانب أخرى قد تفيد في التنبيه إلى أن هذا الموضوع الشائك والخطير يجب أن لا يكون فقط "قضية دولة" في لبنان ولكن أيضا قضية رأي عام وقضية إعلام وقضية نخب، لأنه من دون أن يعي المجتمع خطورة تفشي هذه الاعتداءات بين ثناياه، فإنه من الاستحالة بمكان أن تضع الإجراءات الأمنية أو القضائية حداً لها.

-الاعتداءات على العمال السوريين في لبنان، وإن زادت حدتها وتفاقمت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هي في الأساس قضية موجودة ومستمرة منذ سنوات عدة. فهذه القضية ترافقت مع تصاعد النقمة على الوجود العسكري والاستخباري السوري في لبنان في السنوات الخمس الماضية، وكانت مرتبطة أساساً بإصرار بعض القوى السياسية اللبنانية على إقحام موضوع العمالة السورية في معركتها ضد الوجود السوري بحثاً عن شعبوية سياسية رخيصة وسهلة. ويكفي في هذا المجال أن نتذكر سيل الاتهامات التي وجهت للعمال السوريين عشية ما سمي وقتها "تظاهرة المليون" تأييداً للنظام السوري وغداتها، حيث تم الافتراض بأنهم يشكلون جزءاً هاماً من المشاركين في هذه المظاهرة الفاشلة ووجهت إليهم الاتهامات الواهية بأنهم عملاء للمخابرات السورية ويأتمرون بأمرها.

- لم تقم السلطة السورية أثناء تواجدها المديد في لبنان، كما لم يقم حلفاؤها من اللبنانيين الممسكين آنذاك بمعظم مفاصل السلطة، بأي عمل جدي لأخذ الاعتداءات على العمال السوريين في الاعتبار، فهؤلاء لم يكونوا يعنون لهم شيئاً. لكن في المعركة المستجدة بعد اغتيال الحريري وانسحاب الجيش السوري وبداية عمل لجنة التحقيق، صحت السلطة السورية وأجهزتها الإعلامية فجأة على هذه الاعتداءات وراحت تدينها بشدة وتوظفها سياسياً وشعبوياً في معركتها الشرسة ضد تحرك 14 آذار وانعكاساته المحتملة في سوريا.

- لا يمكن فصل قضية الاعتداءات على العمال السوريين عن نمط سائد في التفكير لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية اللبنانية الفاعلة في صناعة الرأي العام. ويتجلى نمط التفكير هذا، في انعدام القدرة أو الرغبة في التمييز بين الحاكم والمحكوم أو بين العامل السوري و ضابط الاستخبارات أو بين الشعب السوري ونظامه. ويكفي في هذا المجال أن نلحظ مدى السهولة التي باتت تستخدم فيها إعلاميا وسياسياً كلمة "السوري" للدلالة على ممارسات النظام السوري وانتهاكاته، في حين أن أي مواطن سوري يشعر أنه هو، لا نظامه، المستهدف عندما يسمع مثل هذه الكلمة.

- يعاني العامل السوري في لبنان من صورة نمطية مجحفة وغاية في السلبية. فهو بات في نظر الكثير من اللبنانيين يأتي إلى بلدهم ليزاحم العامل اللبناني في لقمة عيشه، وهو لا يقدم شيئاً للبنان وللاقتصاد اللبناني بل يحول كل ما يكسبه إلى بلده الأصلي سوريا، وهو مدعوم من الاستخبارات السورية وعميل لها، ناهيك عن عقدة "الرجل الأبيض" الموجودة لدى البعض والتي ترى في العامل السوري إنساناً "بدائياً" و"متخلفاً".

- هذه الصورة النمطية السائدة تساهم في صناعتها وتعميمها، من حيث تدري أو لا تدري، بعض وسائل الإعلام اللبنانية وبعض التيارات السياسية. ويكفي في هذا المجال أن نذكر كأمثلة البرنامج الهزلي "بسمات وطن" الذي يتجاوز في بعض الأحيان الهزل ويقع في التحريض المباشر ضد العمال السوريين. كذلك الحال مع بعض الممارسات السابقة ومن امثلتها بعض التصريحات للجنرال ميشال عون التي كان يسمي فيها العامل السوري "العامل المحتل".

- أخيراً، فإن قضية العمالة السورية في لبنان تبقى مرتبطة بالنقص الكبير في التوعية المجتمعية لجهة حقوق العمال الأجانب في ظل غياب فادح في التشريعات التي تضمن حقوق هؤلاء العمال في لبنان (بمن فيهم الخادمات الآسيويات) وتمنع استغلالهم وتحول دون منافستهم للعمالة اللبنانية في بعض القطاعات المنتجة.