ايلاف

لم يكن الرجل المنازع أرييل شارون رئيس حكومة كغيره في اسرائيل بل كان آخر قادتها الكبار وقطع شوطا متقدما جدا في السيطرة على مقاليد السلطة و القرار المركزي الى حد التفرد به. وبعدما قاد الحرب على الانتفاضة الفلسطينية التي أطلق شرارتها في أيلول/ سبتمبر ٢٠٠٠ بزيارته الاستفزازية الى المسجد الاقصى ، تحوّل في نظر الغرب وبعض العرب في السنة الاخيرة "رجل سلام واعتدال" عندما أقدم على القرار الصعب بالانسحاب من غزة في اطار خطة متدرجة لفك الارتباط مع الفلسطينيين لأسباب ديموغرافية وأمنية. هذه الخطوة التي لم يجرؤعليها اي رئيس او زعيم اسرائيلي قبله فتحت لشارون ابواب العالم ، فاستقبله بالترحاب في نيويورك عندما زارها قبل اشهر للمشاركة في اجتماعات الامم المتحدة، ورسخت تحالفه مع ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش فوعدته بالمزيد من المساعدات وتحويل الضغوط في اتجاه السلطة الفلسطينية باعتبار ان الكرة في ملعبها وانه فعل ما عليه. وفي الوقت نفسه باشر شارون استثمار "الانسحاب" على صعيد التطبيع مع العالم العربي والتحضير لنقل العلاقات مع دول عربية عديدة من السر الى العلن. لكن الانسحاب من غزة الذي أعطى شارون الكثير خارج اسرائيل أثار في وجهه المتاعب والزوابع داخلها، حتى في حزبه "الليكود" الذي كان من مؤسسيه مع مناحيم بيغن. حيال هذا الوضع لم يتردد "البولدوزر" كما يسميه الإسرائيليون ، في اتخاذ قرار صعب آخر بتدمير "الليكود" كي يؤسس على أنقاضه حزبه السياسيا الجدید "كادیما" ، ومعناه بالعربية "الى الامام" . فتسبب باعادة رسم الخريطة السياسية الاسرائيلية وخلط اوراق كبير. وكان شارون قد تأكد ان "الليكود" لم يعد قادرا على حمل مشروعه الجديد الذي بدأه من غزة وله تتمات ومراحل اخرى لاحقة. وهو مشروع یعكس التحوّل في المزاج الاسرائيلي العام وحتى داخل الليكود في اتجاه القبول بدولة او بكيان فلسطيني معترف به دوليا، ولكن من ضمن أطر وخطوط حمر وثوابت يضعها اليمين الاسرائيلي ، وهي تعطي الفلسطينيين كياناً اقل من حدود العام ١٩٦٧ ، من دون القدس، ومن دون"حق العودة للاجئين. واندفع شارون مع حزبه الجديد "كاديما" لإكمال هذا المشروع الذي یتطلب انسحابات صعبة من الضفة الغربية والتضحية بمستوطنات اخرى في اتجاه إجراء انتخابات مبكرة كان الفوز فيها معقودا له بتقدم واضح، إذ أشارت آخر الاستطلاعات الى ان حزب شارون سيفوز ب ٤٠ مقعدا من اصل ١٢٠ وأن الليكود والعمل سيحصدان عددا مماثلا من المقاعد ، لكن غياب شارون المفاجىء عن مسرح الاحداث وهو في أوج قوته السياسية والشعبية سيؤدي الى خلط واسع للأوراق ولقواعد اللعبة داخل اسرائيل ولاتجاهات الصراع والتسوية بين اسرائيل والفلسطينيين. والانعكاس الاول المباشر والمرتبط بالانتخابات الاسرائيلية الوشيكة في آذار / مارس المقبل سيكون على مستوى حزب "كاديما" الذي يرتكز على شخص شارون وفي ظل قيادته رغم احتوائه العديد من الشخصيات التي نزحت من الليكود مثل إيهود اولمرت وشاوول موفاز ، ومن حزب العمل مثل شمعون بيريس . ولا يربط بين هؤلاء الا العلاقة مع شارون ومشروعه. وبالتالي لا يستطيع "كاديما" من دون شارون ان يحقق فوزا كاملاً يعطيه السلطة ويغنيه عن الائتلاف مع قوى اخرى. كما سيكون صعباً على اي شخصية في هذا الحزب ان تملأ فراغ شارون وان تتمتع بما له من شعبية وميزة قيادیة حتى لو تمتعت بقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة. والأرجح ان غياب شارون سيحدث في الساحة الاسرائيلية فراغاً أكبر من الفراغ الذي أحدثه غياب عرفات في الساحة الفلسطينية. وإن اسرائيل ستكون من اليوم فصاعدا مفتوحة على فراغ وعلى فوضى سياسية وحزبية. وحزب "كاديما" الذي هو أشبه ب "مخيم لاجئين واضداد " سيصعب عليه أن يحافظ على وحدته وتماسكه خصوصا انه لم يقم بعد على أسس مؤسساتية وعلى مشروع واضح ومكتمل، وربما شهد نزوحا معاكسا منه الى "الاصول والاحزاب الام ، علماً أن حزب العمل لا ينسجم مع نفسية الجمهور الاسرائيلي في ظل قيادة عميرام بيرتس اليسارية والتي لا تتمتع بمواصفات الزعامة . وحزب الليكود الذي تصدع بعد خروج شارون منه سيكون أكبر المستفيدين من الوضع الجديد بزعامة بنيامين نتنياهو وربما أتيحت له فرصة سانحة لاعادة لملمة صفوفه وأوضاعه واستعادة رموزه. وفي ظل عدم قدرة اي حزب اسرائيلي على تحقيق فوز كبير في الانتخابات المقبلة يمكن افتراض أن لا بد من إئتلاف حكومي بين احزاب عدة وان توازنا سياسيا سيقوم على اساس توازن الضعفاء، ليكون نتنياهواقوى الضعفاء بعد غياب "الاقوى" في اسرائيل... وهذا الوضع السياسي الجديد "ينسحب" تجميدا لمجمل الخطط والبرامج سواء تلك التي كان شارون یخطط لها وسقطت بسقوطه، او تلك التي وضعها المجتمع الدولي واختصرت في "خريطة الطریق." وسيؤدي غياب شارون الى نمو التطرف الاسرائيلي بعد زوال المساحة الوسطية ، بالتزامن مع نمو مشاعر القلق والانكفاء لدى الاسرائيليين الذین سيفقدون الثقة بمشاريع وقيادات بديلة من مشروع شارون وقيادته. وفي ظل تراجع احتمالات التسویة وانسداد أفقها مجددا كما حصل بعد اغتيال رابين، تفقد السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس شریكا نجح في "اختبار الثقة" وأثبت انه قادر على اتخاذ القرارات الصعبة وتنفيذها، ويزيد وضعها ارتباكاعشية الانتخابات الفلسطينية القريبة جدا في ٢٥ كانون الثاني/ ينايرالجاري. ومن تحصيل الحاصل أن تكون "حماس" المستفيدة الأكبر من الوضع الجديد الذي سيؤثر في مجريات الانتخابات الفلسطينية مثلما سيكون الليكود مستفيدا على الساحة الاسرائيلية، أي أنها مرحلة جديدة یتقدم الصراع فيها على التسوية والعنف المجرد على إمكانات الحوار.