البير خوري/إيلاف

كان ينقص لبنان "اعترافات" نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام من باريس لمحة "العربية" التلفزيونية، وهي على ما يبدو الأولى من سلسلة طويلة، حتى يستعيد فريق 14 آذار/ مارس انفاسه ويصلّب مواقفه بعد هدنة قصيرة مع الفريق الآخر الموالي لسوريا. وأيضاً، لتتفتح آفاق جديدة وبراهين وإثباتات من "أهل البيت" أمام لجنة التحقيق الدولية برئاسة القاضي البلجيكي الجديد سيرج براميرتس، وبالتالي لتصعّد خطوطها ومطالبها من دمشق المتهمة الرئيسة بعملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق الشهيد رفيق الحريري.

وإذا كان راميرتس يتسلم مهمته الرسمية في العاشرة من الشهر الحالي، فإن الأزمة اللبنانية الداخلية تعدت هذه المرة مجرى التحقيقات الدولية والمحلية القائمة لتنفجر داخل الحكومة نفسها، بعد انسحاب الوزراء الشيعة من حضور الجلسات، وحيث بعد ثلاثة أسابيع من "الحرد" الشيعي ممثلاً بوزراء "أمل" و"حزب الله" عاجزة عن اتخاذ أي من القرارات، الأمر الذي فاقم في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن كلام خطير بات يتردد لدى مختلف الأفرقاء السياسيين عن انقسام قد يؤدي في حال استفحاله إلى "جولات عسكرية" خصوصاً أن إشاعات سرت في الشارع اللبناني خلال الأسابيع القليلة الماضية، تتحدث عن مبادرة بعض القوى الحزبية لـ "لملمة" أسلحتها المخزنة في أكثر من موقع، استعداداً للمرحلة القادمة.

وما يبدأ اتساعه في لبنان يتراكم شيئاً فشيئاً حتى يصبح حقيقة، وإن كان جميع الأفرقاء يتوافقون الرأي على أن الخلافات السياسية مؤشر ديموقراطي صحي، وليس هناك أي مجال ولا تفكير أو رغبة لدى هؤلاء من نقل الصراع من حاله السياسية إلى حال عسكرية. غير أن ما يبدو في الآفاق، أقله حتى عودة رئيس مجلس النواب نبيه بري من جولته العربية ولقاءاته عدد من القادة والمسؤولين، واجتماعه إلى رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري، وكذلك مبادرات التهدئة التي تتولاها بعض العواصم العربية والغربية، وبانتظار ذلك، تبدو الأزمة الحكومية محكومة بالمزيد من التصلب والانقسام، على الرغم من "كلام مطمئن" على أن الحلول باتت جاهزة والتفاهم بين "الاكثرية" الحكومية والوزراء الشيعة قطع أشواطاً كبيرة على طريق الحلحلة.

ولكن ماذا لو فشلت المساعي و"تمترس" كل فريق خلف مطالبه وشروطه؟ ترد مصادر دبلوماسية في عواصم القرار: دمشق، واشنطن، باريس، الرياض والقاهرة، وحيث تنشط محاولات التهدئة، ودائماً وفق مصالح متباينة بين هذه العاصمة وتلك، أن الاحتكام إلى الشارع ممنوع، وإذا كان انسحاب الوزراء الشيعة هو أكثر من "مرد"، وربما محاولة جادة لتغيير قواعد اللعبة لصالح دمشق في مواجهة الوصاية الأميركية الجديدة، ليس على لبنان فحسب، إنما على كامل منطقة الشرق الأوسط، وهي جادة في تنفيذ كامل بنود "أجندتها" الشرق أوسطية بكل الوسائل وفي أصعب الظروف. يبدو ذلك واضحاً في تصعيد ضغوطاتها ضد النظام السوري، ومحاربته من "أهل بيته"، وبهذا التوجه يمكن أننفهم "اعترافات" خدام وما سوف يليها من كشف "أسرار وحقائق" في الأيام القليلة المقبلة، تشكل لوحدها اتهاماً مباشراً لقادة دمشق ودعماً للجنة التحقيق الدولية في استكمال دورها الاميركي. وترى هذه المصادر أن أي خطأ في قراءة الأجندة الأميركية، يمكن أن يضع لبنان مرة أخرى على عتبة صراع يتعدى إطاره السياسي إلى العسكري! تبعاً لذلك، تبدو الحالة اللبنانية الراهنة في وضع معقّد وصعب، لدرجة أن عدداً كبيراً من السياسيين والدبلوماسيين في بيروت لا يترددون في استعراض عدد من السيناريوهات المختلفة. بين هؤلاء، سفير دولة غربية ظلّ على قناعة في خلال الثلاثة أشهر الماضية، بأن الأوضاع اللبنانية قطعت مرحلة الخطر، ولم يعد هناك أي خوف على مستقبل البلاد، عاد اليوم ليراجع كلماته ويتراجع عن مواقفه مبدياً تشاؤمه الكبير من تطور الأحداث في اتجاه التصعيد.

ماذا حصل؟ ولماذا وصلت البلاد إلى حافة الانفجار؟ وما مصيرها في خضم كل هذه الأزمات والصراعات؟ إن قرار "أمل" و"حزب الله" بتعليق "مشاركتهما في الحكومة ليس مجرد "حرد" أو انزعاج من بعض المواقف، إنما ردة فعل لسلسلة من المواقف المخيبة للآمال داخل هذا الفريق الحكومي أو ذاك، ما جعل الاوضاع تنفجر على أوسع مداها في جلسة تطرق فيها رئيس الحكومة إلى "اعترافات" خدام، الأمر الذي دفع الوزراء الشيعة إلى الانسحاب، وكشف "عورات" الحكومة التي ظلت خارج التداول طيلة الشهور الماضية، وما أكّد انعدام الثقة بين هؤلاء والأكثرية الحكومية. غير أن ردود الفعل والتصلب في المواقف لم تكن لتصل إلى هذا الحجم من التفاعل والانقسام لولا تطور بعض الأحداث على الساحة الإقليمية وانعكاساتها السلبية على الساحة اللبنانية. يبدو واضحاً بالمبادرات السياسية والدبلوماسية، المعلنة والمخفية التي بادرت إليها كل من دمشق وجدة والقاهرة في الأسابيع القليلة الماضية، وحيث تكشفت حقيقة باتت واضحة لدى الجميع أن واشنطن، ولأسباب متعددة لا تسعى إلى انهيار النظام السوري، أو على الأقل، تخلت في الظروف الراهنة على استبدال نظام بشار الأسد، وحيث فوجئ قادة 14 آذار/ مارس اللبنانيون بتناغم ما بين دمشق وواشنطن ما جعل بعض رهاناتهم تذهب أدراج الرياح.

وهكذا، منذ تموز/ يوليو الماضي، أعلن الرئيس بوش وكما لم يفعل من قبل عن سخطه على النظام السوري، ومن حينها وضع نصب عينيه، إسقاط النظام السوري. وتأكيداً على ذلك، عملت الإدارة الأميركية من خلال وزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات "سي.آي.إيه" على تحريك عناصرها ودراسة الفرص المتاحة والسيناريوهات المختلفة، وفرص النجاح والخسائر المتوقعة لتحقيق رغبة سيد البيت الأبيض. وبدا بوضوح في هذه الفترة تصعيد اللهجة الأميركية تجاه دمشق. فعلى الصعيد الدبلوماسي، عملت الولايات المتحدة على خطة تزيد من عزلة سوريا الدولية، وتمثل ذلك برفض واشنطن استقبال الرئيس الأسد في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأيضاً، بتوفير الدعم المطلق لرئيس لجنة التحقيق الدولية السابق ديتليف ميليس في جريمة اغتيال الرئيس الحريري من خلال استصدار القرار الدولي 1636 وارتباطه بالجزء السابع من ميثاق الأمم المتحدة. إلى ذلك، زادت واشنطن بطريقة غير مباشرة ضغوطاتها العسكرية على الحدود السورية ـ العراقية، فضلاً عن وقوع بعض العمليات من قوى معارضة لسوريا، خصوصاً في بلدة "ابو كمال" في أيلول/ سبتمبر الماضي. وتجلت الضغوط النفسية لقاءين في واشنطن بين مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية وعدد من قادة المعارضة السورية المقيمين في الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية.

في هذه الفترة جعل الرئيس بوش هدفه قلب النظام السوري. ويخبر أحد الدبلوماسيين الاميركيين العاملين في بيروت ان بوش كان يعيش "الهوس" السوري حتى مع ضيوفه من الرؤساء العرب والأجانب. يضيف الدبلوماسي: في خلال استضافته لأحد رؤساء الأوروبيين في مكتبه البيضاوي أن مضى بوش طيلة الوقت ينقر على مكتبه وقد بدا في حالة عصبية شديدة. وفجأة سأل ضيفه: هل تعرف احداً يمكن ان يحل مكان الرئيس الأسد؟ فرنسا من جهتها لم تعلن صراحة عن رغبتها بإحداث انقلاب على النظام السوري، لكن شيراك لم يتردد بتهديد دمشق بفرض مزيد من الضغوطات، وصولا إلى فرض حظر اقتصادي "إذا لم يسمع الرئيس الأسد ويفهم ما عليه القيام به". ومع مرور الوقت، خفت حدة الرئيس بوش في دعوته الصريحة والعلنية على مدى شهور طويلة بقلب نظام بشار الأسد، وفي أواخر تشرين الأول/ نوفمبر، لم يعد أحد في البيت الأبيض ولا في الإدارة الأميركية، يشير من قريب أو من بعيد إلى النظام السوري، في طرح العديد من التساؤلات، خصوصاً في الداخل اللبناني المعارض لسوريا. ولم يطل الانتظار، فقد تبين أن على الرئيس بوش أن يراعي الكثير من الاعتبارات الأميركية الداخلية والمناطقية والدولية والسورية، وبالتالي تبدلاً في الأولويات الأميركية.

ففي الولايات المتحدة سقطت شعبية الرئيس بوش إلى أدنى مستوياتها منذ توليه السلطة لخمس سنوات مضت، بعد فشله في مواجهة العديد من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، خصوصاً بعد إعصار شديد ضرب كارولينا الجنوبية وشرّد مئات الألوف أكثرهم من الفقراء السود، ثم سلسلة الفضائح التي أصابت نائبة ديك تشيني (بالم غيت)، وما تلاها من فضح على السجون "المتنقلة" التي أقامتها وكالة الاستخبارات المركزية في عدد من بلدان أوروبا الشرقية سابقاً، وحيث يتم تعذيب المعتقلين بتهمة الإرهاب والانتماء إلى "قاعدة" بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي، ثم عمليات التنصت داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن الحرب العراقية والخسائر الأميركية الفادحة في الجنود والقادة التي دفعت عدداً من أقرب المقربين إلى بوش في مجلس الشيوخ والنواب إلى رفع الصوت ومطالبته بالخروج السريع من الرمال العراقية المتحركة.

على الصعيد الإقليمي، ليس لتركيا، العربية السورية، مصر، الاردن، ولإسرئيل ولأسباب خاصة ترتبط بكل من هذه الدول، اي مصلحة بقلب النظام السوري، "لتحل مكانه "الفوضى" في سوريا والدول المجاورة"، وهذا ما أكده جميع الأطراف للإدارة الأميركية تكراراً، وعلى مستويات مختلفة. روسيا والصين، وللإثنين مصالحهما الاقتصادية والأمنية يرفضان السياسة الاميركية في الشرق الأوسط. وإذ أعلن البلدان ضرورة تعاون سوريا مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فيما يخص التحقيقات القائمة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، فإنهما في المقابل، يرفضان أي تهديد للنظام السوري، لا بل يدعمانه على كل المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. وفي الداخل السوري باءت محاولات واشنطن في استرضاء المعارضة السورية ودعمها على كل الصعد بالفشل، وحيث تبين أن هذه المعارضة هي في الواقع "معارضات" ولا تشكل قوة فعلية تهدد النظام السوري. فضلاًعن ان الرئيس الأسد أعلن في خطابه يوم العاشر من تشرين الأول/ نوفمبر الماضي انه "بين المقاومة والفوضى، تختار سوريا المقاومة بلا تردد" ما يؤكد أن نظامه مدعوم من كل الأفرقاء والطوائف في الداخل، ويتمتع بشرعية قلما يحظى بها نظام مماثل في العالم.

أخذاً بالحسبان لكل هذه التطورات والتحولات، يستمر لبنان، بانقساماته السياسية ـ والحكومية الجديدة ـ والطائفية والمذهبية الحلقة الأضعف بين مجموعة هذه الدول، ويبدو أنه يسير سريعاً إلى "الفضوضى ما لم تتمكن القيادات المختلفة على تدارك الأخطار، والاعتراف بأن أخطاء سوريا في لبنان لا تلغيها الأطماع الأميركية، وأيضاًَ، إن الاستناد إلى القوة السورية لا تنقذ لبنان من ويلاته.