جوزف سماحة/السفير

تنهال الصلوات والدعاءات على ارييل شارون. يتحدث عنه قادة العالم الغربي وكأنه واحد منهم. انه جزء من النخبة التي تدير العالم وتحدد له مصيره وترسم له مستقبله. لا اثر للضحايا في تعابير الثناء والاطراء وتمنيات الشفاء. وإذا كانت الاشارة الى مريض تفرض لغة معينة، وتستحضر تغليباً لجانب على جانب، فإن المفارقة هي في هذه القدرة الاستثنائية على تجاهل آلاف وآلاف القتلى الذين ترتبط <<حياة>> شارون بهم، وعلى قلة الاكتراث بمئات الآلاف، لا بل بالملايين، من الذين حوّل شارون مرورهم فوق الأرض الى عذاب مديد، وجعلهم يعيشون في جحيم مستمر ومقدر له ان يستمر.

إن في الكلمات التي قيلت وتقال في الرجل مرآة لدرجة عالية جداً من التمييز والفوقية. وفيها، ايضا، دلائل لا تحصى على ان هناك من لا يحسب أي حساب لكل ضعيف خاصة إذا برع هذا الضعيف في ان يزيد على وضعه البائس مهانة من صنع يديه.

لا يبدو لائقاً تماماً التذكير بجرائم شارون. ان فعلاً من هذا النوع يضع القائم به خارج اطار المدنية. وحتى إذا وجدنا من يجازف بذلك فإنه يحصل، غالباً، في سياق البرهنة على المسافة التي قطعها السفاح نحو <<العملقة>> ونحو التضحية في سبيل صناعة السلام.

لا براءة في هذا الضخ السياسي والاعلامي. وليس أصحابه من الذين يخشون التناقض. ولا يكفي لفت انتباههم الى ما في قولهم من تزوير. ان طبيعة المواجهات القائمة والقادمة تستدعي هذا التوليف لأحد ابرز مجرمي الحرب المعاصرين. مادحو شارون يوصلون المبالغات الى حد يستحيل معه التنبيه الى ان ما كان ينويه ليس اكثر من الاستمرار في المشروع الذي نذر حياته له: الابادة السياسية للشعب الفلسطيني. ان القصد من الترويج لشخص هو الترويج لمشروع، والتحسر على التهديد الذي قد يتعرض إليه هذا المشروع، وإفهام المعنيين به، اي متلقي عنفه وسطوته، ان لا مجال أمامهم لتطلب من نوع آخر.

ان القساوة الممارسة من اجل فرض خطاب واحد في مواجهة الحالة الشارونية هي رسالة الى العرب والفلسطينيين بأن هناك من لا يرضى لهم الا الوضعية الدونية، وبأن عليهم نسيان أرضهم المحتلة، وبأن عليهم ان يغادروا نهائياً فكرة العدالة. فهذه الفكرة لا تنطبق على الصراع بينهم وبين مغتصبي فلسطين. تنطبق فقط على الصراعات الداخلية بين تيارات المغتصبين ويضاف إليها التسويات الممكنة بين بعضهم وبين السيد الامبراطوري الجديد الذي استدعي من بعض العرب الى الاحتلال وها هو يستدعى من بعض آخر الى توسيع احتلاله بحيث يتعانق الجيشان الاميركي والاسرائيلي فوق هضبة الجولان!

العنف اللفظي الذي نشهده معناه: انسوا حق العودة، انسوا القدس، انسوا الأرض المحتلة عام 67، انسوا غور الاردن، انسوا الدولة القابلة للحياة، انسوا التسوية التي كنتم

تشتمونها ثم اندفعتم نحوها بعد فوات الأوان، انسوا تاريخ المجازر، انسوا حصار ياسر عرفات، انسوا اقتحام جنين، شاركوا مستوطني غزة دموعهم، اسألوا مستوطني الضفة عن القلق المستبد بهم، صفقوا امام الجدار، ساهموا في بناء المستعمرات، الخ... ان هذه الاقتراحات هي، ببساطة، المشروع الذي كان شارون سيدافع عنه في الانتخابات القادمة و... ينتصر!.

ان كل من يقول كلمة خير واحدة في حق شارون يكون يهدد الفلسطينيين والعرب بأيام قاسية قادمة. يكون يقول لهم ان عليهم الاستمرار في مغادرة الصراع، والامتناع عن التأثير في موازين القوى، والاكتفاء بالفتات الذي ترميه حصيلة المفاوضات بين اليمين الاسرائيلي المرَضي واليمين الاسرائيلي الاقصى، واليمين الاميركي الذي تحفزه اندفاعة كولونيالية تدميرية.

إن انتقال شارون، نفسه، من الموقع الهامشي المرذول الى مركز الحياة الاسرائيلية والغربية هو حصيلة تلاقي روافد بينها الانبعاث الامبراطوري كونياً، وبينها توافر الشروط لتوسعية صهيونية، وبينها انفراد الشعب الفلسطيني في مقاومة تجاوزت القرن، وبينها إيغال النظام العربي الرسمي في الطاعة والخنوع، وبينها المحاولات التأديبية المستمرة في حق كل من يربط مستقبله وتقدمه وكرامته بهذه المواجهة التي يشكل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وجهاً من وجوهها فحسب.

ليست <<صناعة شارون>> ابنة لحظة الدخول الى المستشفى. انها عملية هائلة ومعقدة تعود الى سنوات، وترتبط بكل ما تتعرض إليه المنطقة، وتدين بالكثير الى الانهيارات التي نشهدها والتي تؤدي الى الفقدان المتزايد لأي مناعة سياسية او اخلاقية. والهدف الواضح لهذه <<الصناعة>> مرعب فعلاً. ان القصد هو ان نصبح شركاء في عملية التهميش التي نتعرض إليها، وأن نبذل جهداً اكبر في إنجاز هذه المهمة، وأن نفعل ذلك وعلى وجوهنا علامات السعادة البلهاء التي يسمّيها البعض <<ديموقراطية>>، او <<ليبرالية>>، او <<رفض اللغة الخشبية>>، او <<ثورة الأرز>>، الخ...

يلام العرب على أنهم لم يوفروا للقاتل المقاتل فرصة أن يحظى بالموت الذي يفضله: قتلاً!.