عادل درويش/الشرق الأوسط

قبل عام كررنا، كمعلقين، عبارة «من الصعب تصور الشرق الأوسط بلا ياسر عرفات»، وذلك عند وفاة الزعيم الفلسطيني الراحل، واليوم نكرر العبارة نفسها مستبدلين عرفات باسم الزعيم الاسرائيلي آريل شارون، الذي يرقد في العناية المركزة في مستشفى هداسا. فشارون غير الخريطة الجيوبوليتكية، ليس فقط داخل اسرائيل، بل في المنطقة المحيطة بها. فـ«بطل» الحرب عند ابناء امته،

و«مجرم» الحرب عند كثير من الفلسطينيين واللبنانيين والعرب، يمثل اليوم تيار الوسط المعتدل، الذي يسعى الى السلام والأمن، عبر تحقيق مشروع الدولتين القوميتين المستقلتين، فلسطين، واسرائيل.

وأقلية من العقلاء في الوسط السياسي في البلدان العربية، إذ كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من اول المتصلين بمكتب شارون وبيته للاطمئنان على صحته، وتمنى شفاء الخصم الذي تحول الى شريك للسلام.

وقد نفهم ردود افعال عاطفية وانفعالية في شوارع غزة ورام الله، ومخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، لكن زعماء تيارات اسلاموية وقومجية بدأت تتشفى في شارون وتتمنى «ذهابه الى جهنم وبئس المصير»، معتبرة غيابه من المشهد السياسي فاتحة خير على الفلسطينيين ومكسبا سياسيا.

والسؤال: هل لدى هؤلاء استراتيجية للتعامل مع اسرائيل كجار وشريك او حتى خصم؟

المكاتب السياسية للأحزاب ترسم استراتيجية بناء على دراسات يقوم بها باحثوها وخبراؤها، فإذا لم يكن لديهم استراتيجية محددة للتعامل مع الزعيم الذي ينتخبه الاسرائيليون ديموقراطيا، فهي مصيبة. اما اذا كانت دراساتهم هي التي دفعت بهم لخيار استراتيجي يتمنى «بئس المصير» لشارون، فالمصيبة اعظم على شعوبهم وعلى الفلسطينيين بالتحديد.

شارون حقق المصداقية أمام الناخب، الذي يضع مسألة الامن على قائمة اولوياته، باتخاذ خط متشدد مع خصوم بلاده في الحرب، وفي الرد على العمليات الانتحارية بالتصعيد؛ لكنه السياسي الوحيد اليوم في اسرائيل القادرعلى تقديم افضل ما يمكن تقديمه للفلسطينيين من دون المجازفة بخسارة الانتخابات. فهذه المصداقية هي ما تمكنه من تقديم ما يراه الاسرائيليون تنازلات، مقابل السلام، من دون اتهامه بالتفريط في الحقوق القومية للامة.

وكنا قد قارنا مفاجآت شارون بمبادرات الزعيم المصري الراحل انور السادات، الذي كان الرئيس الأول الوحيد القادر على تقديم غصن الزيتون في الكنيست، من دون ان يتهمه ابناء الامة المصرية بالتفريط في حقوقهم القومية. فقد ناضل وتعرض للسجن والتشريد في الكفاح ضد الاحتلال الانجليزي منذ الثلاثينات من القرن الماضي، وخاض الحرب، كزعيم للأمة المصرية، لتحرير ارض مصرية، فقط وليس لتدمير دولة مجاورة وإلقاء شعبها في البحر. وهذا ما منح المرحوم السادات مؤهلات شعبية لتقديم مبادرة السلام بقبول الشعب المصري.

وقد تجد في اسرائيل اليوم العديد من ابطال السلام ما بين محبذي حل الاندماج الكامل مع الفلسطينيين الى حل الدولتين المستقلتين؛ وستجد ايضا العديد من المتشددين ما بين من يريد عزل الفلسطينيين في كانتونات، الى من يريد المحافظة على وضع راهن بالقوة وحدها. لكنك لن تجد زعيما يجمع بين الاثنين «كبطل» حرب وسلام معا.

ولذا سيصعب على الاسرائيليين ان يجدوا زعيما كشارون يستطيع بحزب او تيار ان يكسب وحده من الأصوات ما يكفي لتشكيل حكومة من دون اللجوء لأحزاب صغرى تضع العراقيل امام برنامجه السياسي.

فحزبه «كديما» (ويعني الى الأمام او التقدم)، ممثلا الوسط المعتدل بين يسار العمل ويمين الليكود، يمكنه ان يفوز باغلبية يستطيع معها تكوين اول حكومة وسط اسرائيلية لا تعتمد على الائتلاف منذ انتهاء سيطرة العمل على سياسة اسرائيل في السبعينات على يد الليكود ـ الذي اشترك شارون في تأسيسه.

وتاريخيا تظهر احزاب وتيارات الوسط في اسرائيل وتختفي بسرعة، لأن كتلة الوسط الانتخابية التي تحدد التأرجح للمرشحين، هى كتلة هلامية غير ثابتة تؤثر على حركتها عوامل متعددة من اقتصاد ومصالح تجارية واجتماعية وسياسية، في مقدمتها العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقة مع الفلسطينيين من تعاون احيانا وصراع في اغلب الأحيان.

تحركت هذه الكتلة نحو الزعيم الراحل اسحاق رابين لأنه، كالسادات وشارون تمتع بمصداقية المحارب، الذي لا شك في «وطنيته» عند مصافحة الخصم بثقة. لكنها نفسها الكتلة التي تحركت، بعد اغتياله، ضد خليفته شيمون بيريز لتنتخب بنيامين نتانياهو المتشدد، الذي اغضب اليسار والليبراليين الاسرائيليين والشركاء الفلسطينيين والجيران، وحتى الحليف الأمريكي. لكن تصعيد العمليات الانتحارية والرد الاسرائيلي العنيف كان وراء استثارة الهاجس الأمني، مما دفع بكتلة الوسط نحو اليمين.

وتأرجحت الكتلة عائدة نحو اليسار العمالى مع «المحارب/ السياسي» ايهود باراك واعدا بتقليل خسائر الجيش وتجنيب سكان شمال اسرائيل صواريخ حزب الله بالانسحاب من لبنان.

لكن حزب كديما، من المتوقع ان يختلف حظه هذه المرة لاختلاف «وسط» المؤسسة السياسة ( وليس الوسط الانتخابي). فالمشهد السياسي، تم استقطابه بين ليكود يمثل اليمين المتشدد المتطرف بزعامة نتانياهو ـ الذي اعترف في اكثر من مقابلة بأن همه اثناء توليه الوزارة كان عرقلة تنفيذ اتفاقيات اوسلو، ولم يكن صادقا في رغبته في السلام، كما رآها الراعي الأمريكي؛ وكان من المعارضين لسياسة شارون في الانسحاب من غزة وتفكيك المستوطنات. وفي الناحية الأخرى تحرك العمل نحو اليسار التقليدي بانتخاب عمير بيريتز، زعيم النقابات العمالية وعديم الخبرة السياسة الخارجية، التي تعتبر امرا لازما في التعامل في منطقة الشرق الأوسط، وموقفه غير واضح من المستوطنات.

اما شارون، فكان اول رئيس وزراء اسرائيلي يفكك كامل المستوطنات من غزة، لأن المستوطنات بالنسبة له كانت «وسيلة» من اجل غاية، هي ضمان امن اسرائيل من هجوم مباغت، ولان قدر امكانية تحقيق الغاية نفسها بوسيلة اقل تكلفة اقتصادية، وهي الاتفاق والتعايش مع الفلسطينيين ومع حكومة فلسطينية شرعية منتخبة، بدلا من الثمن الباهظ الذي يدفعه الطرفان ببقاء المستوطنات.

ورغم ان آخر استطلاعات للرأي اشارت الى ان كديما يستطيع التقدم على العمل والليكود، والفوز باغلبية المقاعد، الا انها لا تكفي لتشكيل حكومة من دون ائتلاف مع احزاب صغرى متطرفة، او مع واحد من الحزبين الكبيرين اللذين سيتشددان في موقفهما بعد ان هجرتهما الشخصيات الكبيرة لتنضم لكاديما.

ولذا فبقاء شارون على قيد الحياة، هو الخيار الأفضل اليوم للفلسطينيين وللسلام، رغم انتهاء دوره الناشط كسياسي. ففي حالة خروجه من المستشفى، ولو قعيدا على كرسي متحرك، او نصف مشلول، طالما انه يستطيع الاحتفاظ بوعيه، سيكون دفعة قوية لكاديما وزعمائها اذا ما ظهرت صورهم «يستشيرون» شارون كزعيم مؤسس للحزب، واذا ما اصبح رمزا لهم يمكنهم من إحراز اصوات تجعلهم الكتلة الأكبر في الليكود، حتى اذا لم يعد للوزارة، وهو امر يعتبر من المعجزات.

اما اذا غاب شارون تماما من امام العدسات، وتصاعدت اعمال العنف، وتحولت كتلة اليمين نحو الليكود بزعامة نتانياهو، فسيدخل الطرفان في دائرة جديدة من العنف المتبادل، وقد تتوسع دائرة العنف ربما تصل ايران.