النهار/نقولا ناصيف

على اهمية ما كشفه النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام منذ 30 كانون الاول الفائت حيال اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتوجيهه اصابع الاتهام الى نظام بلاده، فان المتتبع لسلسلة احاديثه المسهبة التي تناول فيها هذا النظام، وخصوصاً بتوجيهه انتقادات مباشرة قاسية وغير مسبوقة الى الرئيس بشار الاسد واستخفاف بقدراته في الحكم وبمعاونيه، وتحييده في احيان قليلة، يلمس مدى الصدى اللبناني لكل ما قاله خدام. وقد عكس هذا الصدى مسألة بالغة الدقة قد لا يكون خدام وحده المسؤول عنها، هي انه ادخل انشقاقه عن "النظام السوري" في صلب سجال لبناني- لبناني، فباتت مناداته باسقاط حكم الاسد في صلب المواجهة التي يقودها بعض الافرقاء اللبنانيين المناوئين لدمشق. ويكاد بعضهم، كرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، يضع هذه المواجهة في منزلة مماثلة لكشف قتلة الحريري.

ولئن يبدو جنبلاط الاجرأ بين سائر حلفائه اللبنانيين في خوض مجازفة سياسية كهذه، يستعيد بها، للمفارقة، موقفاً مماثلاً لوالده الراحل كمال جنبلاط الذي قال باسقاط النظام السوري مذ اعتبره نظام أقلية بعد اجتماعه الطويل بالرئيس الراحل حافظ الاسد في 21 آذار 1976، فان الزعيم الدرزي الابن يذهب بالمواجهة اللبنانية- السورية، حيال الرئيس السوري الابن، الى ابعد من مجرد ازمة تتخبط فيها علاقات البلدين في الوقت الحاضر. الى ما يشبه "اعلان حرب" مفاده ان نظاماً كهذا في بلد مجاور للبنان سيظل مصدراً لعدم استقرار جاره الصغير ولاطماع لم يتخلّ عنها يوماً. وكان صديقه المنتفض، خدام، اول من بكّر في تذكير اللبنانيين بها بفظاظة لا نظير لها عندما كان يقود مبادرة سلمية في لبنان، بقوله في 7 كانون الثاني 1976 لصحيفة "الرأي العام" الكويتية "ان لبنان جزء من سوريا وسنسترجعه لدى أي محاولة للتقسيم بما في ذلك الجبل والأقضية".

قال ذلك في ظل الاسد الأب. ولم يقل خدام بعد انتفاضته على الاسد الابن انه اجرى مرة، على الاقل في قرارة نفسه، ومنذ ابعاده عن الملف اللبناني عام 1998 مراجعة ذاتية لكل ما كان حدث قبل ذلك.

والواقع ان العاصفة التي احدثتها اعترافات خدام مذ خرج عن صمته للمرة الاولى انحسرت تدريجاً او تكاد رغم ترداده اياها مرات لاسباب عدة:

- اولاها انها لم تحدث هزة داخل سوريا: لا في صفوف معارضة الداخل ولا في صفوف معارضة الخارج، كون هذين الطرفين لم يجدا في عصيانه اكثر من تصفية حسابات سياسية بينه وبين نظامه، ولانهما يحتفظان من سنواته الطويلة في السلطة وتأثيره في قرارات القيادة السابقة بما يجعلهما يشككان في صدقيته السياسية والاخلاقية.

- ثانيتها ان الرئيس السوري تعامل بلامبالاة ظاهرة حيال خدام. فاكتفى، من دون جهد بارز على غرار تقاليد مؤسسات النظام، بتحريك مجلس الشعب السوري ووسائل الاعلام الرسمية والقضاء لتخوينه وملاحقته. وهي الطريقة نفسها التي كان خدام قد أذِن بها سنوات في لبنان في مواجهة المعارضة المسيحية حينما كان يدير الملف اللبناني: تارة بتخوين، وطوراً بتحريك القضاء للاقتصاص من معارضي الوجود السوري في لبنان، ودائماً بوضع لبنانيين في مواجهة لبنانيين.

- ثالثتها ان ردود الفعل الدولية حيال عصيانه قطفت منه ما تحتاج اليه في مسار التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية، وهو المعلومات التي ادلى بها والتي من شأنها تعزيز خلاصات الاشتباه التي كان قد انتهى اليها تقريرا لجنة التحقيق الدولية في تشرين الاول وكانون الاول من العام المنصرم. اما ما يدخل في صلب المهمة الفعلية لانتفاضة خدام، وهي الدفع نحو اسقاط النظام السوري، فان الموقفين الفرنسي والاميركي، وبتنصل واضح، اكتفيا بابراز اهميته فقط.

ولذا بدا جلياً ان الاهتمام الدولي لم يتعدَ المواقف الآتية:

- مراقبة اصداء ما قاله مسؤول سوري كبير سابق فقد دوره على الداخل السوري، وتقويم تأثيره.

- عدم تبني انتفاضته وإن على نحو غير مباشر.

- تفادي اتخاذ اي موقف دولي يمكن ان يوحي تدخلاً في الشؤون الداخلية لسوريا. وكان ابرز القائلين به باريس التي اتخذها النائب السابق للرئيس السوري موطىء قدم لانشقاقه، فكان ان حرصت على التأكيد ان لا اتصالات معه.

- اعتبار ما كشفه خدام ينسجم والشبهات التي قالت بها لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، وتالياً دعوة سوريا الى تعاون مطلق مع اللجنة توصلاً الى كشف مرتكبي جريمة 14 شباط 2005.

- رابعها ان الخروج من الرتابة التي سيفضي اليها تكرار خدام مواقفه من نظام بلاده، يتطلب تعويماً لحركته هذه لئلا تكون يتيمة وتقتصر على مقر اقامته في قصره الباريسي. الامر الذي يثير التساؤل عن احتمال انضمام مسؤول سوري آخر سابق الى عصيانه من الفريق الذي عمل في ظل الاسد الاب واخرجه الاسد الابن فنقم عليه كحكمت الشهابي وعلي دوبا.

ولعل هذه المؤشرات تعكس مسار المقاربة الدولية للعلاقة مع سوريا في الوقت الحاضر على الاقل: بفصلها بين التحقيق الدولي في اغتيال الحريري وانشقاق خدام، وباولوية التحقيق الدولي على ما عداه بما في ذلك اطاحة النظام السوري.

الا ان هذه ليست وجهة نظر فريق رئيسي من اللبنانيين الذين خبروا سوريا حلفاء واعداء.