الشرق الأوسط/ إياد أبو شقرا

ببراءة وإيجاز، قالها ذلك المواطن الفلسطيني أمام مراسلة إحدى الفضائيات، قبل أيام عندما سألته عن رأيه في آرييل شارون، «إيش أقول لك؟ شارون مجرم دمّرنا وقتلنا وشرّدنا وخرّب بيوتنا... بس يا ريت عندنا إحنا العرب زيّه!!».

ذلك المواطن البسيط تكلم بأسى عن جانب يعرفه جيداً من شخصية ذلك الجنرال المتمرد على الديمقراطية، وهو الجانب الذي لا تريد أن تسمع عنه أو تقرّ به الديمقراطيات الغربية التي صلّت بالأمس من أجل شفائه وترحمت عليه حتى قبل أن يموت.

فـ«رجل السلام» المزعوم كان عدواً لدوداً للشعب الفلسطيني وللحق الفلسطيني... ولن تنفع محاولات التجميل في إقناع ضحاياه من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمي صبرا وشاتيلا، بل وقرى جنوب لبنان... وصولاً إلى أهالي ضحايا أبو زعبل وبحر البقر بأن «أريك» ـ إسم شارون الحربي التحببي ـ يستحق دخول التاريخ كـ«رجل سلام» لمجرد أنه اختلف مع «صقور» حكومته على انسحاب تكتيكي من غزة لضمان ابتلاع استراتيجي للضفة الغربية، أو لأنه اختار التحاور مع قيادة فلسطينية مستضعفة منهكة بعدما عمل على امتداد سنوات لسلبها شرعيتها وتعريتها من حق تمثيلها الشعبي ومصادرة خياراتها وسجن قيادتها أمام صمت العالم.

ولكن في مثل هذه الساعات من الواجب تقييم آرييل شارون من منظار آخر غير المنظار الفلسطيني مع أنه الأقرب لنا وله...

شارون كان في المقام الأول عسكرياً مع كل ما تنطوي عليه هذه الكلمة من معانٍ. وهو إذا كان قد دخل السياسة ونجح فيها فلأن الديمقراطية الاسرائيلية التي كانت دائماً تتسع لأي تيار كان... أصبحت أكثر «شخصانية» وباتت تقبل أي سياسي ذي تمثيل شعبي ولو كان بلطجياً. وفي حالة شارون بالذات يصح القول إن النظام الديمقراطي تحمل تطرفه وبلطجيته أكثر مما قدّم هو تنازلات لأصول الممارسة الديمقراطية ومؤسساتها. والدليل أن ثمة جنرالات إسرائيليين كثيرين دخلوا الكنيست في دولة كل مواطن فيها «عسكري احتياطي» ومن ثم تبوأوا أعلى المناصب لكن أحداً منهم لم يُدن بتهمة العصيان وارتكاب التجاوزات... حتى ضد حكومته.

لقد كانت علاقة شارون بالديمقراطية الإسرائيلية، وهي ديمقراطية من نوع خاص طبعاً، علاقة استثنائية لأنه كان في حالة صراع مستمر مع ضوابطها. ومما لا شك فيه أن شارون كان المستفيد الأكبر من التحول الجذري الذي عاشته وتعيشه التركيبة الديموغرافية، ومن ثم الآيديولوجية، في إسرائيل. فنمو الجاليات الحديثة الهجرة من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا الشرقية الشيوعية (سابقاً)، القليلة الخبرة بممارسة الديمقراطية الغربية، كان وراء أفول نجم حزب العمل وكل أطيافه التاريخية والنقابية التي كانت في الماضي قاعدة العمل السياسي، وظلت حتى نجاح مناحيم بيغن عام 1977 تشكل مؤسسة السلطة في الدولة العبرية.

وتزامن بروز الجنرال «الميليشياوي» المتعصب والمتفلت من كل مسؤولية مع تحالف النهجين الغوغائي «الشخصاني» و«التوراتي الأصولي» في الحياة الحزبية الإسرائيلية وتقدمهما إلى الواجهة... ثم إلى السلطة.

وفي صفقة تبادل منافع عكف شارون على خدمة كتلة واسعة من المتطرفين تتراوح بين العنصريين والفاشيين اللا دينيين إلى غلاة التوراتيين الاستيطانيين. وعبر السنين صار بطلها المغوار ومحاميها المخلص إبان المزايدات الداخلية ضمن قيادة «الليكود»، ولم يمر بباله أنه في يوم من الأيام، بعد الاقتراب من موقع المسؤولية سيكتشف أن وحش التطرف الذي رباه لا يشبع ولا يرتوي. ولكن في النهاية، برغم سجله الحافل، رشقه غلاة التوراتيين من اليهود وغير اليهود (كالقس الأميركي بات روبرتسون) بالخيانة وإغضاب الرب لإقدامه على «تقسيم أرض إسرائيل»!!

مع كل هذا، وبصرف النظر عما سيحل بحزب «كديما» («قُدُماَ» بالعربية) الذي كان شارون قد أسسه على قياسه قبل بضعة أسابيع ومع ذلك قفز إلى مقدمة القوى السياسية الإسرائيلية، يظل التأزم على الساحة الإسرائيلية أخف من ورطتنا... في العالم العربي.

فقبل بضعة أيام أصغيت بذهول وهلع لأحد جلاوزة الاستخبارات العربية وهو يقول بنبرة ومضمون فاشيين فاقعين في مداخلة تلفزيونية «على قوى التآمر أن تفهم أنه يستحيل التفريق عندنا بين الوطن والحكم... وبين الحكم والقائد!!». وظلت هذه الكلمات البليغة ترن في أذني حتى استمعت إلى كلمات المواطن الفلسطيني المسكين، فتذكّرت ذلك المثل... «الأعور بين العميان مفتح».

خلاصة القول، يا ليتنا كنا في مأزق الإسرائيليين الذين لن يجدوا أنفسهم أيتاماً بغياب شارون بينما نحن أيتام بوجود «الوطن»، قصدي... «القائد»