فرح الأتاسي

وصلتني رسالة قصيرة من أحد الأصدقاء حول نية كبار الشخصيات اليهوديةوالمسيحية المحافظة في الولايات المتحدة الأمريكية إقامة تحالف جديد يدعى "التحالف المسيحي اليهودي"، ويضم بالطبع ألمع الأسماء المعروفة بعدائها "العلني" والتقليدي وربما الأزلي للعرب والمسلمين ..

وكان تعليق الصديق الذي أرسل هذا الخبر قصيراً مختزلاً بحروفه جميع المعاني والمضامين حين ذيل رسالته بأربع حروف ساخرة "تحالف جديد ضد الوطن" .. !!

شخصياً، إن قراءة أو سماع كلمة وطن له وقع كتغريد العصافير في ذاكرتي .. وعزف أناشيد الفرح والفخر والاعتزاز في قلبي وكياني .. ففي هذا الزمن الأغبر الأسود الذي يتسابق فيه الجميع إلى محو الهوية، وإلغاء الذات، وصهر الآخر في تركيبة جديدة بعد تفتيته أولاً وتمزيق صيرورته وكيانه وماضيه، ثم تشويه حاضره و إلغاء حقيقته في مستقبله .. في هذا الزمن الذي أصبح حب الوطن تهمة، والخوف عليه مرض، والانسلاخ عنه هناء وراحة بال .. !! في هذا الزمن نحن بأمس الحاجة إلى تذكير أنفسنا بأنفسنا وحقيقتنا .. بجغرافية ومكان وجودنا.. بأخطائنا وثغراتنا .. فهذا الوطن العربي الكبير الصغير الذي ينعق فوقه البوم .. وتحلق حواليه أسراب الطيور الجائعة النهمة التي تريد أن تنهش فينا ونحن نحتضر شبه أحياء.. هذا الوطن الذي يخيم عليه شبح الموت والقهر والذل والاستسلام .. بحاجة الآن إلى همة وعزيمة وعمل وجهد كل شخص يحلق بحبه .. ويفخر بانتماءه .. و يؤمن بضرورة بقاءه واستمراره ..

أوطاننا بخطر وهي مهددة فينا و منا و خارجنا .. !!

أوطاننا تنادينا وتناشدنا أن نصحو .. أن نستفيق من غفلتنا .. فأيادينا تعمل فينا ضدنا وضد مصالحنا.. والمتابع للمشهد العربي لا يملك إلا أن يقلب كفيه حسرة وقهراً وألماً وحيرة .. فعلى امتداد هذا الوطن الغالي الحبيب تكثر الخلافات والانقسامات بدل التكاتف والاتفاقات .. وتطغى مشاعر الحسد والمنافسة والغيرة واستعراض العضلات الفردية على ضروة الحوار والتفاهم وتشابك الأيادي والأجساد .. وتسود لغة التعصب والعصبية .. لغة القذف والشتم وتبادل الاتهامات وتكسير الهمم وتحطيم وتهميش الآخر .. بدل اتباع لغة المنطق والمصالح والتفاهم والمحبة والمشاركة والحوار ..

هناك عقار مسموم "مدسوس علينا" اسمه التخاذل والإحباط والتشاؤم بدأ يتسلل إلى إجسادنا ليقضي على عزيمتنا ووجودنا وانتمائنا ويجهض حب الوطن من أحشائنا .. ويشل فينا رغبتنا بالتكاثر والخلق والإبداع والعمل والإنجاب ..

ما بال أثوابنا باتت مستوردة .. ؟؟ وتغيرت لغتنا فأصبحت لغة التعصب والطائفية والشرذمة والغيرة والتشنج والكره والتشاؤم والانقسام .. وبدأت كل دولة عربية تنضوي على نفسها وتقفل الباب بالمفتاح على جيرانها وأقاربها .. وتلعن محيطها وحدودها ..

غريب عجيب حال العرب.. فإذا تكاسلت دول عن نجدة أشقائها وأقاربها وصفت بالمتخاذلة والجبانة والضعيفة .. وإذا هبت دول أخرى للدفاع عن مصالحها ومصالح جيرانها اتهمت بالتكبر والتصلف والهيمنة والتدخل في شؤون الآخرين .. !!!

وإذا انسلخ جميع أبناء الوطن العربي عنه .. وكفروا بلغة الضاد وبالعرب والعروبة .. ولام كل شخص الآخر على الانكسارات والهزائم والانحدارات .. وفضلوا التقوقع على الذات وتقديم المصالح الفردية والشخصية الضيقة الزائلة على المصالح العامة والمشتركة الدائمة .. وإذا قرر العرب أن يطلقوا قضية وجودهم وسر بقائهم وماهية وأهمية انتمائهم .. فلماذا نلوم الآخرين على أخطائنا وفشلنا وخيباتنا وهزائمنا حين نقدم لهم المطارق ليحطمونا.. والسكاكين ليطعنونا.. والحبر والقلم ليشتمونا.. وأسرارنا ليفضحونا.. وكنوزنا ليقهرونا .. ؟؟!!

وإذا كنا نحن العرب سبب الداء، فحان الوقت أن نكون نحن أيضاً الدواء .. فبسواعدنا نبني ونعمر .. وبأيدينا نخط مسيرة النهضة والعمل والمسؤولية والبناء .. لقد حان الوقت ونحن نستقبل عاماً جديداً أن تبدأ القيامة وأن تولد وتنهض أرواح شابة يافعة من أشباحنا العتيقة المترهلة لترسم صورة جديدة لوطن وردي مشرق .. وطن تسوده نضرة الأفكار وخضرة الأعمال .. وطن يؤمن بقدسية الفرد ورسالته .. وأهمية وجوده وولائه وانتماءه ..

متى يتفق العرب على أن أوطاننا بحاجة إلينا جماعات وليس أفراد .. بحاجة إلينا متحدين وليس متفرقين ومنقسمين .. بحاجة إلينا متفقين وليس مختلفين .. بحاجة إلينا ناهضين وليس منكسرين وذليلين .. بحاجة إلينا متفائلين وليس متشائمين .. أوطاننا بحاجة إلينا أحياء وليس شبه أموات..!!