الحياة ، هشام الدجاني مع وصول الرئيس بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 ، وما رافق ذلك من آمال في انفراج داخلي، برزت في سورية نخبة جديدة من المثقفين والباحثين تتحدث بنفس جديد، وتعبر عن توجهات جريئة نحو التغيير الديموقراطي والحرية من خلال الصحافة العربية والفضائيات، وبشكل خاص في شبكات الانترنت. ومع أن ظاهرة «ربيع دمشق» سرعان ما أخمدت، إلا إن الدعوة إلى الاصلاح والتغيير استمرت، واتخذت مظاهر شتى أبرزها منتديات «المجتمع المدني» وجمعياته التي برزت بعد إخفاق تجربتي رياض الترك، المعارض الجريء الذي أمضى سنوات طويلة في السجن، و»التيار الإصلاحي الديموقراطي» ممثلاً برياض سيف وعارف دليلة وغيرهما. اذ وجد فريق المعارضين الثالث، على رغم تناغمه مع هذين التيارين، ان مؤسسات المجتمع المدني هي المخرج التدرجي الوحيد. شاع مصطلح «المجتمع المدني» في الأدبيات الغربية مع بدايات عصر التنوير للتمييز بين المؤسسات الحكومية والمؤسسات الاهلية. ورأى بعض فلاسفة ذلك العصر أن «المجتمع المدني يمثل مجال الحرية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، وهو مجال مهم لحيوية المجتمعات وقدراتها على توفير الفرص للمهارات الشخصية». بيد ان ارتباط المصالح بالأدبيات الغربية لا يعني غياب الظاهرة عن المجتمع العربي والإسلامي تاريخياً. ويرى المفكر السوري رضوان زيادة («الاصلاح في سورية» – 2005) أن المؤسسات التي حكمت المجتمعات العربية والاسلامية تاريخياً كانت في غالبيتها مؤسسات مجتمع مدني لا مؤسسات دولة. اذ ان المؤسسات التعليمية التجارية ارتبطت لجهة التمويل بالمجتمع المدني واعتمدت على مؤسسة «الوقف». ولا تنحصر مخاوف عودة الحياة إلى مؤسسات المجتمع المدني في سورية بمخاوف المستفيدين من الواقع الراهن، بل تشمل معظم مؤسسات الدولة. وفي المقابل، فان عجز المعارضة عن إحداث التغيير المنشود، واختفاء أو خفوت الأصوات المطالبة بالإصلاح، لا يعنيان ان الإصلاح غير مطلوب شعبياً، بل هو ضروري لمستقبل المجتمع السوري، والطريق الوحيد لتفادي تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية إلى مرحلة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وتفسح في المجال أمام الطامحين والطامعين. لكن الظاهرة السلبية التي رافقت بزوغ جماعات المجتمع المدني تمثلت في الشللية. فمع رغبة هذه الجماعات بالاصلاح والتغيير، الا انها تحولت إلى التنافس والمزاودة بدلا من التكاتف والتنظيم، ومال بعض ممثليها إلى ابراز ظهورهم واسمائهم أكثر من العمل الجدي في خدمة المصلحة العامة والعمل المشترك، والى الشعاراتية بدلا من المبادرات والإنجازات. والمطلوب من المعارضة في سورية تقديم تصور لاعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني بما يتناسب وأوضاع البلاد والتطورات الداخلية والخارجية الراهنة. ما نريده بناء مؤسسات تحقق المصلحة العامة وتحفظ حقوق الأفراد، وهذا يعني وضع اولويات لما هو ممكن، وما يتطلب تحقيقه مزيدا من الجهد العلمي لبناء المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، قبل المطالبة بالتغيير الشامل. ويعني ايضا ان تعمل المعارضة وجماعات المجتمع المدني على بناء صدقيتها لدى الشارع السوري، لا من خلال الخطب والشعارات والبيانات بل من خلال المبادرات والإنجازات. وبالمثل على القيادة السياسية ان تدرك ان قدرة الدولة على تطوير الحياة الاقتصادية والسياسية تتطلب تنشيط مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي تحقيق مبدأ تــوازن القـــوى لإيجاد آليات لمنع الفساد وتشجيع العمل والإنتاج. يبقى مصير الإصلاح في سورية مرهونا بتكون إرادة شعبية للإصلاح نابعة من احتياجات أفراد المجتمع من جهة، ومن تزايد الوعي الشعبي، لا من طموحات فردية أو حزبية ضيقة. ويبقى السؤال المهم بعد ثلاث سنوات عن حديث الإصلاح هو: هل تتشكل مطالب الإصلاح الشعبي ضمن عملية متدرجة ترعاها الحكومة وجمعيات المجتمع المدني، أم تحت تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج كالضغوط التي تتعرض لها سورية الآن؟