أسوء ما حملته تصريحات عبد الحليم خدام الأخيرة الدخول في "حوار الفساد"، حيث انتهت البنية السياسية لما قدمه سريعا تحت ضباب الاتهامات والاتهامات المضادة، وأصبح موضوع الفساد مسألة تدخل ضمن شرعية الحديث حول مواضيع تحتاج بالفعل إلى التعامل معها خارج إطار التصريحات، لأن مكانها الصحيح هو الجهاز الإداري لأي دولة.

لكن حوار الفساد غلف عمليا خطوة خدام، وربما حجب الآلية السياسية التي اتبعها كنموذج يطرح العديد من التساؤلات، ويقدم أيضا صورة للقرار السياسي الذي يظهر داخل البنية الحزبية عموما مهما اختلفت تسمية الحزب أو توجهاته. فحتى لو كان خدام مدفوعا من قوى أخرى كي يقوم بخطوته لكنه اختار شكلها بنفسه، وأعطى شرعية لخطوته ضمن الإطار الخاص الذي يرى أن المستقبل يتضمن بذاته الماضي، وأن الأخطاء الحالية تشكل مبررا لإعادة إنتاج الذات. فقرار المستقبل هو في النهاية ينطلق من اكتساب شرعية بالوصاية على الماضي، وبامتلاك السلطة على مساحة من التاريخ السياسي.

قرار خدام انطلق عمليا من طبيعة الوصاية المفترضة التي برزت في حديثه، وهذا الأمر ليس جديدا على الساحة السياسية، لكن قرار "الانشقاق" على قاعدة هذه الوصاية هو الجديد، لأن الانشقاقات عادة ما تتم ضمن مجال رفض الماضي وليس القبول به. وعلى عكس معظم السياسيين فإن خدام اتخذ الخطوة نحو المستقبل بقرار ماضوي إن صح التعبير. لكن هذه الخطوة ليست حكرا على خدام، بل تشكل ممارسة سياسية دائمة لأي حراك سياسي سوري.

ربما يكون "الغد" قرارا لكنه بعكس أي إجراء نشهده اليوم فإنه يحاول اكتساب شرعيته على مساحات من المستقبل، دون البحث عن أي قاعدة تراثية سواء كانت من التاريخ أو من الماضي السياسي. فالمسألة هي محاولة لامتلاك الحق في الخروج عن الخيارات المتاحة إلى مجال جديد. لأننا نحتاج بالفعل للنظر إلى سورية كمجال حيوي قادر على تطوير الآراء والأفكار والحلول.

وقرار "الغد" بذاته هو آلية لأنه يتضمن منذ البداية القدرة على التحرر من الوصاية بالدرجة الأولى مهما كان مصدرها، ثم الحق في الدخول بتجربة ابتكار ... أو ابداع قد يفشل لكنه في النهاية رصيد لتراث جديد، ولإنتاج معرفة قابلة للتطور.

عمليا فإن خدام كنموذج وليس كشخص يشكل محاصرة للمستقبل، وفي النفس فإنه يدفع الحراك السياسي نحو التحصن بتراثه بدلا من التحرر منه. لأن النموذج الذي قدمه يشكل هجوما باتجاه المساحات السياسية السورية عبر سلاح الوصاية على الماضي، وبشكل يحفز أي تيار على استخدام ماضيه بنفس الطريقة، وهو امر موجود بالفعل. "الغد" ليس نموذجا، لأنه عندما يمتلك النموذج يصبح تراثا وعليه إفساح مجال للمستقبل. و "الغد" مساحة التجربة التي نريدها اجتماعيا بالدرجة الأولى كي نستطيع التعامل مع مخاطر حقيقية تحاول رسمنا على شاكلة ما يريده الآخرون وليس ما نريده نحن.