سحر بعاصيري/النهار

مثلما قرأ الغرب "تغييرا" في موقف روسيا من سوريا والقرارات الدولية المتعلقة بها، يقرأ اليوم في موقفها من الملف النووي الايراني تغييرا مماثلا يسهّل نقله الى مجلس الامن. وهذا صحيح. ولكن الى أي حد قد تذهب روسيا؟

لا شك في أن روسيا سجلت تحولا مثيرا في موقفها من ايران عندما شككت في نياتها النووية وأعلنت انها لن تعارض احالة الملف على مجلس الامن. واذ اقتربت بذلك من الموقفين الاوروبي والاميركي، فانها حرصت على تأكيد ان هذا لا يعني تدهورا في العلاقات معها.

ولعل هذا هو المدخل الصحيح لقراءة "التغيير" الروسي.

فروسيا المعنية مباشرة بالبرنامج النووي الايراني، انزعجت من طهران لاسباب تتجاوز أسباب الدول الاخرى. فعندما اقترحت تخصيب الاورانيوم الايراني في الاراضي الروسية، ظنت انها تسدي الى ايران خدمة بابقاء بعض عناصر دورتها النووية في اراضيها وتطمئن الغرب الى ان التخصيب لن يجري داخل ايران. وظنت ان الموافقة الايرانية ستكون بديهية خصوصا ان الاوروبيين والاميركيين بدوا متقبلين للفكرة. واعتبرت أنها بمبادرتها هذه ستساهم في حل ازمة دولية، فيما تتولى هي رئاسة مجموعة الثماني مما سيسجل لها انتصارا كبيرا لدى هذه الدول.

لكن الخيبة كانت برفض ايران. ادركت موسكو ان ايران محمود احمدي نجاد تتحداها كما تتحدى اميركا والاوروبيين. فكان لا بد من تغيير في السلوك، اكثر تشددا مع ايران واكثر مسايرة لموقف الغرب أملا في التوصل الى تسوية فلا تتصادم روسيا مع الغرب ولا تهدد مصالحها مع ايران، وهذه كثيرة.

فالتعاون بين موسكو وطهران يتجاوز الموضوع النووي وبناء المفاعل الايراني الاهم، بوشهر، الى كون روسيا المصدر الاهم لايران بالسلاح. ثم ان للدولتين مصالح مشتركة كثيرة في منطقة بحر قزوين. والاهم ان روسيا ستظل تحتاج الى تحالفها مع ايران لصد التمدد الاميركي والاطلسي في القوقاز.

وهذا إن جعلها تقبل باحالة ملف ايران على مجلس الامن، بل حتى الاستفادة من ذلك لاقناعها بتسوية، يبدو صعبا ان يجعلها تقبل بفرض عقوبات عليها، أقله لأن اية عقوبات محددة ستعنيها هي بالدرجة الاولى سواء أكانت في الشأن النووي او في تصدير أسلحة اليها. فالعمل مستمر في بوشهر وفي وجود خبراء روس، ثم ان روسيا وافقت اخيرا على بيع ايران أسلحة متوسطة المدى مضادة للطائرات قيمتها اكثر من 700 مليون دولار.

وفي المقابل لا يمكن روسيا ان تقبل بتحدي ايران لها او بتفويت فرصة ان تكون عراب الحل لازمة دولية كهذه. وهي قادرة بما تملك من أوراق ضغط على ايران ان تحاول أخذها نحو تسوية. فايران تحتاج الى امدادات من الاسلحة تتجاوز الصفقة التي وقّعت اخيرا وثمة أنباء عن مفاوضات كانت جارية لشراء نظام "سي 300" المضاد للصواريخ والذي سبق لروسيا ان باعته من سوريا والذي تحتاج اليه ايران.

وهذا يفسر قول الرئيس فلاديمير بوتين ان الازمة تتطلب اسلوبا بالغ الدقة من دون اية خطوات خاطئة او مندفعة وتلميحه الى ان ايران لم ترفض العرض الروسي كليا.

انه دور روسيا الان في محاولة تهدئة الازمة. خطوة مع الغرب وخطوة مع ايران. مثلما فعلت مع سوريا. صوتت مع القرار 1644 فأراحت الغرب لاقترابها مع موقفه، لكنها صوتت بعدما ضمنت قرارا مخففا عما كان المشروع ضد سوريا. وهذا الدور يكتسب الان اهمية اضافية وقد بلغت الازمة في المنطقة حد التداخل من ايران الى لبنان مرورا بالعراق وسوريا. أما اذا كانت روسيا ستنجح فأمر آخر.