تشيني حمل "رسالة واضحة" الى القاهرة والرياض:

النهار

أظهرت المحادثات التي اجراها نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني مع الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة امس، اختلافاً في وجهات النظر في شأن ما ينبغي ان تكون عليه العلاقات اللبنانية – السورية، فضلاً عن تباين في الاراء في الملف النووي الايراني، بينما ناقش تشيني مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز الجهود التي تبذلها الرياض والقاهرة لازالة التوتر بين لبنان وسوريا. وافادت واشنطن ان نائب الرئيس الاميركي حمل رسالة واضحة الى القاهرة والرياض مفادها ان "دمشق لا يمكنها التهرب من دفع ثمن مسؤوليتها عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري".

في القاهرة

وازدحم لقاء الساعتين بين مبارك وتشيني بعناوين متعددة اختلط فيها الاقليمي بموضوعات العلاقات الثنائية التي لا يخلو بعضها من حرج وحساسية وخصوصاً ملف الاصلاح السياسي في مصر.

وافادت المصادر المصرية والاميركية ان الملف السوري – اللبناني والملف العراقي اخذا حيزاً متميزاً في اللقاء، واعترف الناطق باسم الرئاسة المصرية السفير سليمان عواد بصعوبة المحادثات التي اجراها الرئيس المصري مع نائب الرئيس الاميركي في ما يتصل بأزمة العلاقات السورية – اللبنانية ولمح الى فضل القاهرة في اقناع واشنطن بمقترحات تبلورت خلال التحرك المصري – السعودي الذي جرى اخيراً من اجل ايجاد "صيغة ملائمة تتيح استمرار تجاوب سوريا مع لجنة التحقيق الدولية (في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري) مع الحفاظ على كرامة الحكم في سوريا"، اذ قال عواد رداً على سؤال عما اذا كان مبارك وتشيني توصلا الى ملامح تسوية للمشكلات التي يثيرها هذا الموضوع: "الامر ليس بهذه البساطة"، موضحاً ان محادثاتهما في هذا الصدد "تندرج في سلسلة اتصالات يقوم بها الرئيس ولا بد ان يتأسس اي حل على الامتثال للشرعية الدولية وتنفيذ (سوريا) قرارات مجلس الامن". لكنه استدرك قائلاً ان "سوريا تجاوبت مع لجنة التحقيق وانها امتثلت للشرعية الدولية".

وهل تطرق الاجتماع الى الاقتراح السعودي لتسوية مشكلة مثول الرئيس السوري بشار الاسد امام لجنة التحقيق الدولية بعدما طلبت الاخيرة الاستماع الى افادته؟ اجاب عواد: "مصر ترحب بأي صيغة توفر الامن لسوريا ولبنان... الرئيس مبارك ونائب الرئيس الاميركي ناقشا هذا الملف الهام وشرحا وجهات نظرهما لحل هذا الموضوع". واضاف ان "كل طرف استمع الى وجهات نظر الطرف الآخر"، واتفق الجانبان على "ضرورة الامتثال لقرارات الشرعية الدولية وبذل كل الجهود للتوصل الى الحقيقة في اغتيال الحريري والحفاظ على امن واستقرار لبنان وسوريا".

وفي ما يتعلق بالأوضاع في العراق، نفى الناطق المصري أن تكون المحادثات تناولت ما تردد عن رغبة واشنطن في ارسال قوات عربية لتحل محل القوات الأميركية في العراق، وقال: "لم يبحث في هذا الموضوع". وأوضح انها تناولت الوضع في العراق "على ضوء مؤتمر الوفاق الوطني العراقي المنتظر انعقاده في بغداد في شباط المقبل"، بعدما عقد مؤتمر تحضيري له في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة في تشرين الثاني الماضي.

وعن الملف النووي الايراني الذي كان ضمن الموضوعات الاقليمية المهمة في محادثات نائب الرئيس الاميركي في القاهرة، قال عواد أن مصر، وهي أحد الأعضاء الـ35 في مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، "لن تصوت مع اي قرار (ضد ايران)، الا اذا تضمن اشارة الى عالمية معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية وان يكون هذا القرار خاليا من أية معايير مزدوجة". وشدد على أن اسرائيل "هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لم تنضم الى معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية ولا تخضع منشآتها النووية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية". وأضاف ان "الشرق الاوسط ليس في حاجة الى سباق سلاح نووي"، وأن "لمصر مبادرة منذ 15 عاما تدعو الى اخلاء المنطقة من كل أسلحة الدمار الشامل، ونرغب في أن يطبق ذلك على الجميع". ودعا الى "استمرار الحوار مع ايران من خلال القنوات الديبلوماسية"، لكنه طالب طهران بـ"ابداء المزيد من المرونة والشفافية" في شأن برنامجها النووي.

وكان عواد أفاد أن محادثات الرئيس المصري مع نائب الرئيس الأميركي "تطرقت الى قضايا الشرق الأوسط وخصوصاً عملية السلام بعد التطورات الأخيرة على الساحة الاسرائيلية ومرض (رئيس الوزراء الاسرائيلي) ارييل شارون والانتخابات التشريعية الفلسطينية المنتظرة الأسبوع المقبل والانتخابات الاسرائيلية المقررة في آذار وانعكاسات ذلك على تنفيذ خريطة الطريق وتنفيذ رؤية الرئيس الأميركي باقامة دولة فلسطينية".

وتناول عواد في تصريحاته الموقف المصري من اقتراح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الذي تدعمه واشنطن نشر قوات دولية في اقليم دارفور السوداني وأعرب عن تأييده لموقف الحكومة السودانية الرافض لهذا الاقتراح، معتبرا ان "تنحية الاتحاد الأفريقي" ، الذي ارسل قوات فعلاً الى الاقليم، عن هذه المهمة واستبدال قوات دولية تابعة للامم المتحدة بالقوات الافريقية "سيؤثر على صورة الاتحاد الافريقي، الذي قام في دارفور بأول مهمة لحفظ السلام في القارة".

وعلى رغم حرص الناطق على وصف العلاقات بين القاهرة وواشنطن بأنها "عميقة وراسخة"، فان امتناعه عن الرد على أسئلة الصحافيين عما اذا كان نائب الرئيس الأميركي ناقش مع مبارك ملف الاصلاح السياسي في مصر أكد ما سربته مصادر عدة من أن اللقاء "لم يكن مريحا" للرئيس المصري على هذا الصعيد وخصوصا في ما يتعلق بموضوع حبس رئيس حزب "الغد" المعارض أيمن نور الذي ينفذ حاليا عقوبة السجن خمس سنوات بتهمة تزوير توكيلات مؤسسي حزبه، وتطالب واشنطن بالافراج عنه في أسرع وقت ممكن، اذ اعتبرت أن محاكمته في هذه القضية لم تكن عادلة ولم تكن "بعيدة عن اعتبارات السياسة"، على أساس أن نور كان أبرز منافسي الرئيس المصري في اول انتخابات رئاسية تعددية أجريت في ايلول الماضي.

وكان اثنان من مرافقي تشيني هما مساعده جون حنا ونائبته ساماثا رافي التقيا فور وصولهما الى القاهرة الاثنين ست شخصيات مصرية من ممثلي المجتمع المدني ومن الحزب الوطني الحاكم، واستمعا في هذا اللقاء الى تقويم بالغ السلبية من بعضهم لعملية الاصلاح السياسي والدستوري التي قال مبارك انه نفذها خلال العام الماضي. كما استفسر المسؤولان الأميركيان عن مغزى ودلالات الصعود السياسي لجماعة "الاخوان المسلمين" وفوزها بـ 20 في المئة من مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات الاخيرة، وأبديا اهتماما بالغاً بمعرفة أسباب عزوف اكثر من 75 في المئة من الناخبين المصريين عن المشاركة في تلك الانتخابات.

من جهة أخرى، تجاهلت السلطات المصرية طلبا لزيارة أيمن نور في سجنه قدمه عضو الكونغرس الأميركي الجمهوري البارز فرانك وولف الذي يزور القاهرة منذ مطلع الأسبوع والتقى فور وصوله قيادات في حزب "الغد".

في الرياض

وفي الرياض التي انتقل اليها تشيني من القاهرة، اجرى نائب الرئيس الاميركي محادثات مع الملك عبدالله بن عبد العزيز، انضم اليها لاحقا رئيس المخابرات السعودية الامير مقرن بن عبد العزيز ووزير الخارجية الامير سعود الفيصل والسفير السعودي لدى واشنطن الامير تركي بن الفيصل.

وتحدث العاهل السعودي، الذي استقبل تشيني في مزرعته روضة خريم على مسافة 50 كيلومترا شمال الرياض، مع ضيفه خصوصا عن الازمة السورية – اللبنانية والانتخابات الفلسطينية المقررة في كانون الثاني الجاري والعراق.

وقال مسؤول سعودي طلب عدم ذكر اسمه ان "المحادثات تناولت الوضع على الساحتين السورية واللبنانية والجهود السعودية والمصرية المبذولة لعدم تصعيد الوضع". وأشار الى "اتفاق في وجهات النظر على ضرورة تعاون سوريا مع لجنة التحقيق الدولية (في اغتيال الحريري)، امتثالا لقرارات مجلس الامن والشرعية الدولية وعلى ضرورة الحفاظ على الامن في المنطقة".

وأفاد ديبلوماسيون ان المسؤولين السعوديين سيعرضون على تشيني اتفاقا اقترحوه على سوريا ينهي الرئيس بشار الاسد بموجبه التدخل في لبنان ويوسع التعاون مع لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، في مقابل وضع حد للضغط الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة على النظام السوري.

وناقش الملك عبدالله وتشيني الوضع في العراق في مرحلة ما بعد الانتخابات في هذا البلد.

واشار ديبلوماسيون الى ان المحادثات تناولت خصوصا العلاقات المتدهورة بين الغرب وايران. وقال ديبلوماسي عربي ان "السعوديين يعتقدون ان كل هذه القضايا مترابطة وانه يجب التعامل معها كصفقة واحدة". واضاف: "ما يحدث في ايران سينعكس على العراق، وما يحدث في هذا البلد سينعكس على المملكة".

وأفاد مسؤول سعودي ان السعودية "أبدت ترحيبها بالمساعي التي تبذلها الولايات المتحدة لتسهيل اجراء الانتخابات الفلسطينية"، وان "العاهل السعودي اكد ضرورة مساعدة السلطة الفلسطينية ورئيسها (محمود عباس) لاقرار الامن والاستقرار في الاراضي الفلسطينية، وضرورة استمرار واشنطن في مساعيها لتنفيذ خريطة الطريق وتحقيق رؤية الرئيس الاميركي (جورج بوش) باقامة دولة فلسطينية مستقلة" الى جانب اسرائيل.

وكشف مسؤولون قريبون من المحادثات ان العاهل السعودي شدد "على ضرورة اعطاء المفاوضات فرصة" قبل احالة الملف النووي الايراني على مجلس الامن.

ومن الرياض انتقل تشيني الى الكويت لتقديم العزاء باميرها الراحل الشيخ جابر الاحمد الجابر الصباح.

واشنطن

ں في واشنطن، صرح نائب الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية آدم ايريلي لقناة "الحرة" الفضائية الاميركية بان تشيني حمل الى السعودية ومصر رسالة واضحة مفادها ان دمشق "لا يمكنها التهرب من دفع ثمن مسؤوليتها عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري". وقال ان "نائب الرئيس ديك تشيني نقل الى المسؤولين في مصر والسعودية جدية الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في المضي في محاسبة المسؤولين عن جريمة اغتيال الحريري من الرئيس الاسد الى أسفل الهرم".