ايمانويل والرشتاين/السفير

مهما كان رأي المرء في سياسات بوش، فإنه ما من شك في أنه وصل، مع بداية العام 2005، إلى ذروة سلطته. كان قد أعيد انتخابه للتو، والحزب الجمهوري يسيطر على مجلسي النواب والشيوخ. في الواقع، كان الجمهوريون قادرين على هزيمة زعيم الغالبية الديموقراطية السابقة في مجلس الشيوخ. فسر بوش ذلك ليس كمصادقة على غزوه للعراق فحسب، بل كتفويض بالمضي قدما في جدول أعماله الاقتصادي المحافظ جدا: تجديد التخفيضات الضريبية، وتفريغ برنامج الضمان الاجتماعي، والتنقيب عن النفط في آلاسكا، وبشكل عام، تقليص إجراءات الحماية البيئية. قال إنه سينجز التفويض الذي شعر أنه حصل عليه. كان الانضباط الجمهوري قويا جدا وسيطر بوش على الشارات.

علاوة على ذلك، كان الديموقراطيون منقسمين بعمق بشأن ما إذا كان أداؤهم في الانتخابات بهذا السوء لأنه كان ينظر إليهم على أنهم متجهون كثيرا نحو اليسار أو متجهون كثيرا نحو اليمين. كانت وجهة النظر الأولى أقوى بين الديموقراطيين في الكونغرس. لقد شعر بوش إذن أنه يستطيع الاعتماد على الأقل على بعض الأصوات الديموقراطية ليضيف إلى كتلته الجمهورية، الصلبة والموحدة، لتمرير كل التشريعات التي يفضلها.

تغير كل ذلك، بعدها بعام. تغير بصورة جذرية. لم تمر جميع التشريعات التي كانت موضوعة على لائحة بوش، ومن غير المرجح أن تمر خلال العام المقبل. باتت كتلته الجمهورية، غير القابلة للتحطم، مبعثرة. خرق من يوصفون بالمعتدلين الانضباط. لكن كذلك فعل الجناحان اليمينيان للحزب الجمهوري المحافظون المتطرفون ماليا واليمين المسيحي. يُظهر الديموقراطيون الآن الانضباط الذي سبق أن أظهره الجمهوريون، ما سمح لهم، بفضل الانشقاقات الجمهورية، بالفوز بالأصوات الأكثر حسما في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، وبالأخص في هذا الأخير. معدلات شعبية بوش في استطلاعات الرأي منخفضة جدا. يطلب الجمهوريون، الساعون إلى إعادة انتخابهم، من بوش عدم الترويج لهم. ومع نهاية العام 2005، بدأ بعض أعضاء مجلس الشيوخ الديموقراطيين يتحدثون عن عزل (الرئيس الأميركي). حتى أن بوش بدأ، للمرة الأولى، يقر بأنه قد يكون ارتكب بعض الأخطاء <<الثانوية>> خلال رئاسته.

عندما ننظر إلى قلب سياسته العالمية العراق نراه يقاتل بشراسة في مواجهة ضغوط آتية من ضمن الولايات المتحدة، ضغوط آتية من العراقيين، وضغوط آتية من بقية العالم. أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة أنه يعلم أن غالبية العراقيين يريدون القوات الأميركية أن تغادر. وفيما يرفض بوش بقوة تحديد جدول زمني لسحب القوات، فإن ذلك يعتبر سلوكا زائفا لأن الولايات المتحدة تنوي، وجميع حلفائها، سحب أعداد مهمة من القوات خلال العام 2006، وقبل وقت طويل مما حدده بوش كنقطة أساس عندما تصبح قوات الحكومة العراقية قادرة على التعامل عسكريا مع قوات المقاومة العراقية. ماذا حصل في العام 2005 ليفسر انقلابا كهذا في القوة السياسية لبوش؟ معظم ما تغير حصل ضمن الولايات المتحدة، ولو مع بعض الدعم من أمور حصلت في بقية العالم. هناك أمور خمسة حولت الأجواء السياسية في الولايات المتحدة. ما كان لأي منها أن يكون مضرا إلى هذا الحد، لكن الأحداث تراكمت واتحدت لتشكل حجرا متدحرجا يجمع زخما ليستخدم في العام 2006.

أول هذه الأمور وأكثرها وضوحا هو أن أعداد الضحايا في العراق تتزايد بثبات من دون أية إشارة، مهما تكن، إلى أن المقاومة تضعف. التقط رسم كاريكاتيري في صحيفة في نيودلهي ما يشعر به الجميع؛ يُظهر الرسم تمساحا ضخما كتب عليه <<تمرد>>، يمسك جنديا بفكه محاولا، بصعوبة، إبقاءه مفتوحا. إلى جانب هذا الجندي، الذي يمثل <<القوات الأميركية>>، نشاهد شخصا أصغر حجما يمثل <<القوات العراقية>>. يقول الجندي الأميركي للعراقي: <<من الأفضل لك أن تنمو بسرعة وتتولى الأمر عني>>. قلة من الناس في الولايات المتحدة تعتقد الآن أن ذلك ممكن على الإطلاق، وكثيرون يعتقدون أن على أميركا أن تتوقف عن التضحية بمزيد من الأرواح.

الأمر الثاني كان كارثة كاترينا، التي كشفت عن مستوى من عدم الكفاءة واللامبالاة الاجتماعية في إدارة بوش تركت أكثرية الناس تلهث. لكن ليس هذا ما عطل بوش؛ لقد شعر أنه من الضروري أن يعد بأن الحكومة الفدرالية ستقوم بشيء ما لإصلاح الأضرار وتدفع الكونغرس إلى تبني برنامج مكلف جدا. كانت تلك القشة التي قصمت ظهر الجمهوريين المحافظين ماليا، الذين لطالما أرعبهم المستوى المتنامي للإنفاق الأميركي خلال ولاية رئيس ملتزم نظريا بعدم توسيع حجم الحكومة. أما الأمر الثالث فهو حماقة بوش في ما قد يصبح إنجازه الوحيد: تسمية قضاة محافظين في المحكمة العليا. قصم الإخفاق التام في قضية هارييت مايرز ظهر اليمين المسيحي الذي سحب دعمه التلقائي لنظام بوش. يجب الإقرار بأن ليس لديهم بديل عن بوش، لكنهم لا يستعجلون تدعيم موقعه، كونه سيقع الآن في مشاكل من دون هذا الدعم. ما عادوا يثقون به.

ومن ثم تأتي الاتهامات (الموجهة) للويس ليبي لمحاولته إيذاء جوزف ويلسون لكونه كشف الأكاذيب الوقحة المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل في العراق (التبرير الأساسي للغزو)؛ ولتوم ديلاي، الرئيس السابق للغالبية الجمهورية في مجلس النواب الذي اتهم بانتهاك القوانين كجزء من جهوده لتأمين غالبية جمهورية في المجلس؛ ولجاك أبراموف، من جماعات الضغط، وهو جزء من شبكة ديلاي التي ترمي إلى شراء الأصوات في الكونغرس. إضافة إلى ذلك، هناك اتهامات، لم يبت بأمرها بعد، يمكن أن تطال كارل روف، المستشار السياسي الأساسي للرئيس، وبيل فريست، زعيم الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ. أنواع كهذه من الاتهامات أحرجت الأنظمة السياسية كلها، لكن كان هناك العديد منها بالنسبة لبوش في فترة قصيرة، وشملت أشخاصا أساسيين كهؤلاء.

وأخيرا، إنها الأعمال غير الشرعية هي التي تسقط بوش شخصيا. أن يفرض الرؤساء الأميركيون سلطاتهم <<الملازمة>> لهم أمر ليس غير طبيعي بالنسبة إليهم. لكن اتحاد الغرائز الشخصية لبوش مع نوايا تشيني المتعمدة لتضخيم سلطات الرئاسة أدى إلى شكل مبالغ فيه بصورة استثنائية لفرض كهذا. بدأ بوش يصدر أوامر سرية في العام 2001، ما سمح بالتعذيب (وإن كان لم يسمه كذلك)، وبالتنصت بصورة غير شرعية على المواطنين الأميركيين. كل ذلك في انتهاك واضح لقوانين صريحة. ومع ظهور ذلك للعلن، جاء الدفاع ثلاثيا: لدى الرئيس سلطات <<ملازمة>> كهذه؛ يغفر قانون الوطنية للعام 2001 وقرار الكونغرس لما بعد 11 أيلول ذلك <<ضمنا>>؛ التهديد الجديد <<للإرهاب>> غيّر <<القواعد>> كلها.

قبل الإعلام والكونغرس، في البداية، بهذه الحجج عبر عدم إثارة الاعتراضات العامة. تسببت فضيحة ابو غريب بأول انزعاج عام نما بثبات. قاد السناتور ماكاين، الذي عانى كسجين حرب لمدة خمس سنوات وعرف العواقب، في العام 2005، تمردا علنيا، ودفع الكونغرس إلى اعتماد قانون يحظر تعذيبا كهذا، على أنقاض معارضة قوية جدا من إدارة بوش باتت في النهاية غير مجدية. ومن ثم سرب أحدهم قصة التنصت، التي لم تشأ فيها إدارة بوش حتى استخدام الطريق القانوني السهل بالذهاب إلى محكمة خاصة وسرية للحصول على إذن. ما يجب ملاحظته هو ليس أن ذلك حصل، وإنما أن أحدهم شعر أنه مستعد لتسريبه، وأن وسائل الإعلام كانت مستعدة لنشره. كانت هذه هي الطريقة التي حصل فيها سقوط نكسون.

يمكن لبوش أن ينجو من ذلك كله، لو كانت الأمور تجري بشكل جيد في أماكن أخرى. لكن الأمور لا تجري بشكل جيد بالنسبة للولايات المتحدة في أي مكان، لا في الشرق الأوسط ولا في أميركا اللاتينية ولا في آسيا. الانتخابات على الأبواب في الولايات المتحدة وبوش ليس سعيدا على الإطلاق.