برغم الهدوء الذي اتسمت به كلمات نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام خلال مقابلته مع فضائية "العربية"، إلا أن وقعها كان كالقنبلة ورد الفعل تجاهها كان أشبه بالعاصفة الهوجاء.

خدام الذي اتصف خلال حياته بالهدوء الحذر، ولم يعرف عنه اتخاذه مواقف حادة أو مفاجئة، كان في هذه المقابلة مفاجئاً. فإعلانه الانشقاق أو لنقل بلغته "اختيار "الوطن" مقابل "النظام" مما يعني ضمناً توافقه مع طروحات المعارضة بالتفريق بين الوطن والنظام، أعطى لنفسه دوراً أهم بكثير من دوره في ما لو بقي نائباً للرئيس.

اختار خدام الوقت المناسب لانشقاقه هذا، فقيمة ما قاله اليوم هي أكبر بكثير مما سيقوله غداً أو بعد غد، فخدام الذي بدا سياسياً مخضرماً يختار كلماته بعناية ودقة، يعرف أهمية اللحظة في السياسة.

لكن النظام السوري لم يعرف مجدداً كيف يتعامل مع هذه الأزمة المستجدة. لقد وقع هذا النظام في ما شخّص به خدام النظام (الانفعال ورد الفعل)، حتى أنه لم يفلح في التفكير في مصالحه الشخصية من منظار ضيق، فرد الفعل تجاهه بالتخوين والطرد من الحزب سيعطيه مبرراً لفتح الملفات على المكشوف، ونكون عندها أمام عرض حقيقي لخفايا الفساد خلال السنوات السابقة، وسيرد خصومه أيضاً بكشف ملفات أخرى، فنكون حينها وكأننا أمام "بالوعة" وقد انفتحت.

لكن، برأيي إن رد الفعل هذا المبالغ به من قبل النظام كان المقصود به ترهيب الآخرين في ما لو اتخذوا القرار باتباع الخطوات ذاتها. فالتشهير بخدام وتكفيره واتهامه بـ"الخيانة العظمى" المقصود منها قطع الطريق على أي مسؤول تسول له نفسه الانشقاق عن النظام في هذه المرحلة الحرجة.

لكن ما مستقبل النظام السوري بعد انشقاق خدام؟ قلنا سابقاً أن هناك ثلاثة سيناريوات لعملية التغيير في سوريا، هي:

الأول أن يقوم النظام ذاته بالإصلاح من الداخل بما يشمل إصلاحات سياسية حقيقية، وانتخابات نزيهة وحقيقية تؤدي إلى تداول سلمي للسلطة واتخاذ قرارات صعبة في ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي. وبالتوازي مع ذلك يجب أن تكون هناك عملية تبادلية لتقليص الصلاحيات المعطاة للأجهزة الأمنية وخفضها واحياناً انهائها ووضعها في كنف نظام قضائي مستقل ونزيه.

أما السيناريو الثاني فهو ظهور محاور من أعضاء النخبة السياسية الحاكمة، مما يفتح المجال لظهور فريق "إصلاحي" أكثر استيعاباً للمتغيرات وانفتاحاً على العصر.

أما السيناريو الأخير فهو فرض الإصلاح من الخارج في ظل إدارة أميركية ذات أجندة ديموقراطية إمبريالية.

إن انتحار وزير الداخلية القوي غازي كنعان ثم انشقاق نائب الرئيس عبد الحليم خدام يدلان على أن سوريا بدأت تسير في السيناريو الثاني، وهو برأيي أقل السيناريوات كلفة سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً إذا ما قورن بالسيناريو الثالث أو الخارجي. فتفكك النخبة السياسية والأمنية الحاكمة وتفسخها سوف يفتح المجال لأخذ الاعتبارات الوطنية الديموقراطية في الاعتبار. وصحيح أن لا تحرك داخلياً دون محاولة انسجام مع السياسة الاميركية الحالية تجاه سوريا، وهو ما عكسته أجوبة خدام في ما يتعلق برغبته في الحوار مع المطالب الاميركية دون مقاومتها، إلا أن مسؤولية النخب السورية هنا والمعارضة تحديداً ستكون محورية لجهة تحويل الدفة في اتجاه رزمة المطالب الوطنية الديموقراطية بدءاً من إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وانتهاء بإقرار مبدأ التداول السلمي على السلطة بين القوى السياسية والحزبية كافة.

كتابات خدام وتصريحاته السابقة تدل على اتخاذه خيار الانشقاق منذ سنوات، خاصة كتابه "النظام العربي المعاصر: قراءة الواقع واستشفاف المستقبل" إذ إنه يدعو بجرأة إلى تغيير النظام العربي واستبداله بنظامٍ آخر يعبر عن طموحات المجتمعات العربية وتطلعاتها، ذلك أن "طبيعة النظام العربي الراهن هي أحد الأسباب الرئيسية في الحالة العربية الراهنة كما أن ظروف تأسيسه وتطبيقاته تقدم صورة واضحة عن مواقع الخلل وتجيب عن الكثير من التساؤلات وتساعد على رسم طريق جديد لنظام عربي جديد".

و يشير خدام إلى أن السبب الرئيس في ما آل إليه النظام العربي هو "حجم المصالح التي تتحكم في قرارات الحكومات القطرية حيث لا علاقة لقرار الحكومة القطرية أحياناً بمصالح البلاد وإنما بمصالح أفراد يتحكمون بالقرار السياسي"، وعندها "يصبح للتداخل بين مصالح الأفراد والقرار السياسي أسوأ الآثار على المسار العربي العام"، وعندها أيضاً "تتحول المؤسسات الدستورية إلى واجهات غير فعالة وتضيع المسؤوليات وينمو الخطأ ويعطل القانون وتغيب العدالة ويتقدم الأقل كفاءة ويتراجع الأكثر أهلية فيغدو العقل والإحساس نفسه غريباً في وطنه أو في خارجه. وفي مثل هذه الأحوال تفقد الدولة قدرتها على التطور ويتراجع النمو والتقدم، وتتدهور كل ميادين الإنتاج المادي والفكري وتزداد الهوة اتساعاً وعمقاً بين هذه الدولة وما يجري في العالم".

ويستطرد خدام في تشخيص الخلل القائم في "بناء مؤسسات الحكم والدولة الذي هو استسهال تجاوز القانون والخروج عليه تحت ذرائع مختلفة بالإضافة إلى الاستخدام الخاطئ له"، مما يؤدي إلى "إضعاف الثقة العامة في الدولة وفي مؤسساتها وهو يفتح الطريق أمام الانحراف السلوكي أيضاً". كل ذلك أدى إلى أن تعيش "الحكومة القطرية" حسب تعبيره بين نوعين من الخوف: "خوف من الداخل من الرأي العام في البلاد، وخوف من الهيمنة الأجنبية في الخارج. وقد تعاملت مع الخوف الأول بالضغط وكبت الحريات وممارسة العنف أحياناً، أما الخوف الثاني فقد تعاملت معه بالخضوع وتقديم التنازلات وانتهاج سياسات تتعارض مع مصالح قطرها والمصالح القومية العليا، غير مقدّرة أن القبول بالاستجابة للضغط الأجنبي يفتح باباً لتنازلات لا حدود لها تصل إلى المس بالمصالح الأساسية للبلاد وبكرامتها وسيادتها".

هنا تصبح "الديموقراطية السبيل الأكثر أمناً وسلامة للحفاظ على الوحدة الوطنية في كل قطر عربي لأنها تتيح مشاركة الجميع في العمل العام كما أنها بطبيعتها تملك آليات تصحيح أخطائها…"، وليس ذلك فحسب بل إن أهمية الديموقراطية وإطلاق الحريات تبرز من أنها "تضع الجماهير في موقعها الحقيقي لتصحح أخطاء الحكومة فيستقيم الوضع. الوضع القطري واستطراداً الوضع القومي"، كما أن "الديموقراطية وحدها تشكل الحصانة والحماية للحكومة القطرية في وجه الضغوط الخارجية".

فخدام يدعو هنا صراحةً إلى الديموقراطية وتوسيع الحريات دون ربطها بالشعبية أو تلك التي تتناسب مع تاريخنا وتراثنا كما اعتاد النظام السوري تكراره على لسان رئيسه أكثر من مرة.

لكن خدام في مقابلته لم يتكلم عن النظام العربي في عمومه، وإنما أراد توجيه الرسالة إلى النظام السوري تحديداً الذي لم يعتد على هذا النوع من الرسائل.