وحده هذا السجال يستحق عناء المتابعة، نظراً لارتباطه العضوي بالملف الإيراني وليس لمجرد أهميته السورية او الداخلية اللبنانية، أما الجدل اللبناني الداخلي الآخر المرتبط بالتحقيق باغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري فهو بدأ يفقد أهميته في النقاشات الغربية.

والجملة التي تتكرّر في بعض الدوائر الدبلوماسية الأوروبية في الوقت الراهن مفادها أن "اللبنانيين يغالون في توقع سقوط النظام السوري، فحتى الآن لم يتخذ أحد لا في واشنطن ولا في اوروبا قراراً بهذا الشأن، حتى لو أن الجميع لن يعارض سقوط هذا النظام في حال تم ذلك بأيادٍ سورية".

لا حاجة للتذكير بأسباب عدم الرغبة في إسقاط النظام السوري بالقوة (فوضى داخلية، القلق من التحالف مع ايران، انعكاس ذلك على لبنان، عدم وضوح الرؤيا لما بعد السقوط، الخوف من انفلات أمني خطير)، ولكن الأهم هو أن الساحة الداخلية اللبنانية كانت عبرت عن عجز لافت لمرحلة ما بعد خروج الجيش السوري من جهة، تماماً كما أن سوريا سعت للإفادة من الوقت الضائع لتكثيف الرسائل باتجاه الاسرة الدولية، موحية بالقدرة على المناورة الامنية الخطيرة تارة، وبالرغبة في التعاون (ولو المشروط) مع لجنة التحقيق الدولية تارة أخرى.

لم تتخذ واشنطن قراراً بإسقاط النظام السوري بالقوة، "رغم أن الفكرة دغدغت كثيرين في الإدارة الاميركية"، باعتراف مسؤول أوروبي، ولكن لا إدارة جورج بوش ولا أي مسؤول أوروبي آخر سيقبلون بأن تستعيد سوريا انفاسها وتعاود "أحلامه" في لبنان، وكل ما يفعله الغرب في الوقت الراهن هو "فترة سماح" محدودة جداً بالوقت والمطالب إفساحاً في المجال امام المساعي الهادفة إلى دفع دمشق لتحولات في سياستها اللبنانية والداخلية والخارجية.

وتقول أوساط أوروبية ان بعض المسؤولين السوريين يسربون معلومات مفادها أن المؤتمر القومي المقبل لحزب البعث سيكون "مفصلي" في تحديد الاتجاهات المقبلة، ذلك انه سيفسح في المجال أمام إعادة قراءة تجربة السياسة السورية في لبنان، وسيحدد أطراً للمتغيرات الداخلية على المستويين الاقتصادي والسياسي، حيث يُراد بعث رسالة هامة الى الغرب مفادها ان سوريا مقبلة على مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح.

ويقول هؤلاء المسؤولون أيضاً ان الاوراق التي ستقدّم في المؤتمر ستشهد "نقداً بناء" لعدد من الأخطاء التي ارتكبت في الماضي على المستويين الداخلي والخارجي، وسيتم الاعلان عن مبادرات من شأنها التأكد من رغبة النظام السوري بإحداث تغيير حقيقي. كل ذلك مهم، ولكنه ليس الاهم، فالنظام السوري الذي استطاع تمرير بعض الرسائل الامنية والسياسية، يبدو في المرتبة الثانية حالياً من الاهتمام الغربي، ذلك ان كل الانظار مركزة حالياً على الملف الإيراني.

ويبدو أن دخول وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل على الخط قبل يومين من جهة، ثم زيارة ديك تشيني الى مصر والسعودية والكويت من جهة ثانية، ثم التدخل الروسي اللافت للانتباه، لم تكن من قبيل التحركات الدبلوماسية المعتادة، فثمة صقور في الادارة الاميركية عادوا يدفعون باتجاه الخيارات العسكرية التي وإن لم تقر بعد الا إنها جاهزة.

من هنا بالضبط، يتخذ كلام جنبلاط في الوقت الراهن أهمية خاصة، بعد الاهمية الكبيرة التي اكتسبها قبل فترة كلام نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام، الذي ستعد، حسب بعض الدوائر الغربية، "للكشف عن مفاجأة جديدة خلال اسبوعين بحيث يجري الحديث عن تشكيل مجلس وطني يجمع الاطراف الراغبة بتغيير النظام في سوري"، فالرغبة الاميركية الدفينة خصوصاً عند بعض الصقور بإسقاط النظام السوري تبقى كبيرة، حتى ولو ان بعض المسؤولين في أوروبا يجزمون بان اسرائيل التي سارعت الى تسريب معلومات حول اجتماعات بين خدام ومسؤولين إسرائيليين، لا تزال تفضل بقاء النظام السوري الحالي خشية الفوضى التي قد تحصل في حال سقوطه.

هذه المخاوف مما قد يحصل في حال سقوط النظام السوري، ومن اشتداد أواصر الحلف الإيراني السوري، هي بالضبط التي تحرك بعض العرب وعدداً من العواصم الغربية باتجاه تشجيع سوريا على التعاون مع اللجنة الدولية وليس دفعها الى المزيد من التشدد. فالرسائل الامنية التي شهدتها مرحلة التشدد، وكذلك موقف حزب الله و"أمل"، كانت كافية للقول بان دمشق لا تزال تجمع عدداً لا بأس به من الأوراق.

ولعل وليد جنبلاط يقرأ الامر من هذه الزاوية بالضبط، فهو حين يتصدى ل"حزب الله"، فإنما ينظر إلى سوريا وإيران وليس إلى الحزب بحد ذاته، وهذا بالضبط ما يلقى اهتماما خاصا لدى الغرب. وطالما أن الملف الإيراني لم يحسم بعد، فإن عدداً من العواصم الحريصة على لبنان وفي مقدمها فرنسا، تفضل التهدئة على الجبهة اللبنانية السورية في الوقت الراهن، ذلك ان حماية لبنان من رسائل امنية مقبلة بحاجة الى قرار كبير حيال سوريا، وهذا القرار لم يتخذ أميركياً بعد رغم اهمية التصريحات الاميركية.

ولكن هذه الدول جميعا بدءا بفرنسا وصولاً الى الولايات المتحدة، لا تريد للنظام السوري ان يستعيد أنفاسه ويستأنف جزءاً من دوره السابق في لبنان، ولذلك فإن الضغوط مستمرة على سوريا تحت عنوان التعاون مع لجنة التحقيق، حتى ولو ان هذا التعاون هو آخر الهموم الاميركية الحقيقية.