كانت الجمهورية الاسلامية الايرانية دائماً في اولويات السياسة الاميركية ولاسيما بعدما اعطت صراع "المستضعفين" من مسلمين وغير مسلمين مع القوى الدولية المستغلة والمسيطرة بزعامة الولايات المتحدة "نفسا" جديدا وروحا جديدا. لكنها تبدو اليوم في مقدم هذه الاولويات وخصوصا بعد تفاقم الخلاف بينها وبين المجتمع الدولي عموما حول سعيها الى امتلاك طاقة نووية او الى انتاج طاقة كهذه يمكن تحويلها لاحقا للاستخدام العسكري رغم نفيها المتكرر ذلك. ومن العلامات على ذلك بدء تكوّن اجماع دولي لاحالة ملف ايران النووية على مجلس الامن الامر الذي كان متعذرا في السابق. ولا يقلل من هذا الاجماع محاولات البعض من اصدقاء ايران او بالاحرى من المستفيدين منها تجاريا وماليا تلافي وصول العلاقة الايرانية – الدولية الى حد المواجهة في المنظمة الدولية. ذلك ان هؤلاء بدأوا يظهرون شيئا من الحذر حيال تصلب طهران في الموضوع النووي وربما من الخوف كما انهم لم يعودوا يعارضون احالة الملف الايراني على مجلس الامن لكنهم يحاولون ان يؤخروا ما امكنهم تعرضها لما يمكن تسميته "محاكمة" امامه وتاليا صدور احكام عليها كالعقوبات الاقتصادية مثلا.

كيف ترى الادارة الاميركية او بالاحرى كيف يرى البعض في هذه الادارة تطور المواجهة الاميركية الدولية مع ايران الاسلامية والتي تحمل عنوانا وحيدا رسميا هو الموضوع النووي؟

تحدد المعلومات الواردة من واشنطن على عدد من المصادر الديبلوماسية الغربية المطلعة في العاصمة اللبنانية رؤية البعض المشار اليه الى تطور المواجهة المذكورة بالآتي:

- يعتقد هذا البعض ان عند الرئيس الجديد للجمهورية الاسلامية محمود احمدي نجاد عقدة خطيرة مهمة جوهرها انه صاحب مهمة رسولية او دينية كبيرة، فهو، وذلك امر طبيعي لشيعي مؤمن، يؤمن بعودة الامام الثاني عشر من غيبته الطويلة ويريد ان يسرّع في هذه العودة وان تسبب ذلك بحرب اقليمية كبيرة وكاملة بين قوى الخير والشر (ِArmageddon).

- يعتقد البعض نفسه ان ادارات اميركية معينة بدأت تعتبر ايران الاسلامية اولويتها الاولى وبدأت تتعامل معها على هذا الاساس مع ما يعنيه ذلك من درس معمق لاوضاعها وقدراتها ومن وضع الخطط اللازمة المتنوعة لمعالجة الاخطار التي تتسبب بها لمحيطها وللمنطقة كلها بل للعالم.

- يعتقد البعض اياه ان الرئيس الجديد احمدي نجاد يريد بل يسعى الى افتعال ازمة مع اميركا ورئيسها جورج بوش اللذين يخافهما كثيرا واللذين يعتقد انهما يمران حاليا بمرحلة من الضعف بسبب معاناتهما في العراق وفي المنطقة عموما. ومن شأن ذلك ان يجعله في اعتقاده اقوى من اميركا وتاليا ان يمكنه من تحقيق انجازات تقوي الجمهورية التي يترأسها وفي صورة نهائية ابرزها على الاطلاق بل اهمها امتلاك الطاقة النووية عاجلا وليس آجلا.

- يعتقد البعض اياه ان سياسة الرئيس الايراني احمدي نجاد تقوم في قسم منها على استفزاز اسرائيل وتحديها معتبرا ان ذلك يشكل في ذاته تحديا لاميركا وادارتها ورئيسها. وتنبع هذه السياسة من اعتقاده بوجود حليف سياسي – عسكري قوي جدا له في لبنان هو "حزب الله" واستطرادا حركة "امل" ومن يمثلان وتاليا من تأكده ان هذا الحليف قادر بالسلاح المتنوع الذي يملك بما في ذلك ترسانة الصواريخ تحييد اسرائيل تجاهه وتجاه بلاده الامر الذي يمكنها من الاستمرار في مخطط امتلاك الطاقة النووية او انتاجها وتحدي اميركا.

- يعتقد البعض اياه ان الرئيس الايراني احمدي نجاد لن يتراجع ابدا عن تطوير القدرات النووية لبلاده تمهيدا لامتلاك او لانتاج طاقة نووية خاصة بها. ولهذا السبب بادر فور تسلمه مهماته الرئاسية قبل اشهر الى ازاحة العديد من الديبلوماسيين الايرانيين المعتدلين والمؤمنين بالحوار مع اميركا والمجتمع الدولي لحل الخلاف على الموضوع النووي مع ايران والى احلال اخرين متشددين بل بالغي التشدد في مواقعهم.

- يعتقد البعض نفسه ان الرئيس الايراني احمدي نجاد يحاول بسياسته المتشددة ومن خلال اعلانها امام شعبه والعالم تعبئة الرأي العام الايراني ودفعه الى الاستمرار في الوقوف مع النظام الاسلامي الحاكم في ايران. ومن شأن ذلك في رأيه تكوين انطباع لدى العالم ان شعب ايران يقف مع قيادته صفا واحدا.

- يتساءل البعض اياه اذا كان المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية آية الله علي خامنئي يستطيع ضبط الرئيس نجاد او لجمه اذا وجد انه راح بعيدا كثيرا في "تطرفه" او اذا تأكد ان هذا التطرف سينعكس على نحو بالغ السلبية على ايران والنظام الحاكم فيها.

- لا يعرف هذا البعض ماذا يعني الموقف الايراني المتشدد المفصل اعلاه بالنسبة الى لبنان او ماذا ستكون انعكاساته عليه. لكنه يرجح ان يكون التشدد في الخط الذي اقدم "حزب الله" عليه اخيرا في لبنان احد هذه الانعكاسات، علما انه يعتقد ان هذا الحزب قد يكون اكثر وعيا او ربما اكثر حكمة وواقعية من الرئيس احمدي نجاد الامر الذي يجنبه الوقوع في "الفخ". وفي اي حال لا بد ان يظهر ذلك او عكسه بعد الزيارة المتوقع ان يقوم بها احمدي نجاد لدمشق اليوم.

- بدأ عدد من المعنيين في الادارة الاميركية يهتم مباشرة بالازمة المقبلة مع ايران الاسلامية ويحاول معرفة انعكاساتها الاقليمية كلها وخصوصا في لبنان حيث لإيران حليف قوي جدا ومسلح هو "حزب الله".

- يعتقد البعض اياه ان الرئيس جورج بوش سيطبق حيال ايران السياسة التي يطبقها منذ مدة مع سوريا وهي قائمة اولا، على العزل. وثانيا، فرض عقوبات دولية في الوقت المناسب. وثالثا، تشجيع المعارضة السورية. وكل ذلك على امل إما ان يتغير النظام من داخل واما ان يقدم اركانه على تغيير جذري في سياساتهم.

هل الرؤية الاميركية المفصلة اعلاه الى الوضع الايراني الحالي صحيحة؟

لا شك في ان لاميركا مصادر معلومات متنوعة تمكنها من تحديد رؤيتها لما يجري في ايران والتطورات المحتملة. لكن التجارب دلت ان المعلومات الاميركية لم تكن دائما صائبة او دقيقة والدليل الابرز العراق واسلحة الدمار الشامل التي لم يجدها الجيش الاميركي فيه رغم مرور اكثر من سنتين ونصف سنة على احتلاله. فضلا عن ان التركيز في الرؤية على الرئيس احمدي نجاد ودوره قد لا يكون في محله كثيرا. فالرئيس في ايران ليس كالرئيس في الولايات المتحدة. فهو ليس مركز القرار والمبادرات سلبية كانت ام ايجابية، والمركز هو المرشد الاعلى للجمهورية آية الله خامنئي. واذا كان احمدي نجاد يتصرف على النحو المشروح اعلاه فلانه يتمتع بدعم هذا المرجع وينفذ سياسته واي تغيير في السياسة لن يقوم به هو اذا تقرر وانما خامنئي. فالاول منفذ سياسي باعتبار ان التنفيذ العملي منوط باجهزة ومجالس متنوعة.