هي دائما هكذا الحركة الوطنية الفلسطينية:

تحويل الرمزي الى انجاز عملي من جهة، والتفريط بالانجاز العملي الى حد خطر تبديده من جهة اخرى، في هذا الجدل الدائم داخلها الذي لا يكف بين "عبقرية" المراكمة الدؤوبة للرمزي في سيرورة متواصلة من المنفى-الوطن منذ 1967 الى الوطن-المنفى منذ اوسلو1993... أي من الخارج الى الداخل، وبين تخلف اجتماعي-سياسي في البنية الوطنية يؤدي الى خسائر "مجانية".

...كأنما الكفاءة الاولى تنتمي الى "عقل" غربي اكتُسب خلال الصراع، فيما الاعاقة الثانية تنتمي الى "مناخ" عالمثالثي.

- الكفاءة: قبل يومين نجحت الحركة الوطنية الفلسطينية في تكريس إنجاز شديد الأهمية بل لعله على "سكة" التحرير الفلسطيني يطال الموضوع الأعمق في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي بل في الصراع العربي الاسرائيلي وهو موضوع القدس. لقد قبلت الحكومة الاسرائيلية مرة جديدة بحق فلسطينيي القدس الشرقية بالمشاركة في الانتخابات التشريعية التي ستجري قريبا.

من "حق" بعض اوساط اليمين الاسرائيلي أن تغضب من هذا القرار، مرة أخرى أيضا، لأن ما ينطوي عليه من رمزية صارخة لا تخطئه العين: إنها حلقة خطيرة جديدة نحو وضع سيؤدي إلى جعل القدس عاصمة للدولة الفلسطينية الآتية. ومهما خففت الحكومة الاسرائيلية من قوته الرمزية باعتباره يتعلق بالسكان لا بالارض، فإنه فعلا ينقل مجددا "دينامية" مشروع الدولة الى داخل "العاصمة" المنشودة.

رحم الله ياسر عرفات، الاب الفعلي لهذه المدرسة النضالية التي كان اتفاق اوسلو نقطة التحول الكبرى في مسارها المدهش هذا من مراكمة الرمز، بدءا من النص نحو الواقع، وأبو مازن على أي حال هو قطب مؤتَمَن في هذه المدرسة. فكم تتضاءل بالتالي مسألة الموقف الاسرائيلي من "حماس" مقارنة بهذا المكسب المقدسي للقضية الوطنية الفلسطينية على كل الاهمية السياسية التي تستحقها مشاركة "حماس" في الانتخابات كمدخل اوسع للمشاركة الكاملة في كل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية لتعزيز المصداقية الديموقراطية للنضال الوطني الفلسطيني أمام الغرب الأميركي الاوروبي والعالم.

هذا الغرب الشريك العضوي للنضال الميداني الفلسطيني في التخصيب السياسي للرحم الذي يحمل جنين الدولة الفلسطينية المحررة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن هذا المنظور الجوهري لدور الانتخابات في المقاومة الوطنية، ضمن الخصوصية الخلاقة والمعقدة والشاقة للتجربة الفلسطينية، يمكن للمراقب المعني ان "يتسامح" مع اصرار بعض وجوه حركة "حماس" على القول خلال حملتها الانتخابية الجارية أن مشاركتها في هذه الانتخابات لا تعني قبولها بمؤسسات "اوسلو".

يمكن" التسامح" لان "حماس" من هذه الناحية تريد، ان تحفظ ماء الوجه. ولْتَقُلْ ما تريد لأن المهم والايجابي بل والبنّاء جدا هو هذا الانخراط. لكن الحقيقة أن الانتخابات وتحديدا التشريعية هي البنت الطبيعية والشرعية لمؤسسات "اوسلو" وأي كلام آخر هو كلام تعبوي يجانب التوصيف الفعلي. مع العلم ان الوظيفة الاخرى– غير ماء الوجه- لكلام "حماس" هذا، هو مع الاسف تبرير حق الاحتفاظ بالسلاح في قطاع غزة على اساس أنها لا تعترف بـ "اوسلو". "الاسف" لا ينطبق على الضفة الغربية لأن الوضع الخطير هناك، احتلالا عسكريا واحتلالا استيطانيا، يتطلب احتفاظ كل الفصائل باسلحتها بينما في غزة المحررة اصبح المطلوب مختلفا أي بقاء سلاح السلطة وحده، وهنا نشارف على النقطة الثانية.

- الاعاقة: الصورة السائدة الآن عن قطاع غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي هي حسب تعبير المعلق السياسي في "نيوزويك" فريد زكريا صورة "دولة فاشلة" من ناحية ضعف اداء مؤسسات السلطة الوطنية بل تتحدث الصحافة الغربية عن انهيار هذه المؤسسات على الصعيد الامني.

سأفترض درجة من المبالغة في هذه التقارير، لكن ما حدث على معبر رفح قبل حوالى الاسبوعين يعزز هذه الصورة السلبية التي من شأنها أن تؤذي كثيرا مصداقية السلطة الوطنية بل كل الشعب الفلسطيني كشعب قادر على امساك اموره بطريقة مسؤولة أي على ادارة دولة مستقلة. لقد انهارت يومها البنية الامنية التي تولت ادارة معبر رفح بموجب اتفاق الانسحاب، عندما اجتاحت عناصر شابة، فالتة من عقالها لكن منظمة ايضا، الجدار الفاصل عن رفح المصرية لتصبح المنطقة سائبة وسط عجز عناصر السلطة الوطنية وحيرة الامن المصري وتحت الانظار الشامتة للاسرائيليين من مركز مراقبتهم الالكتروني البعيد، على ما آل اليه هذا المعبر الذي يخضع للسيطرة الفلسطينية لأول مرة في تاريخ الصراع مع اسرائيل.

كيف حدث هذا الذي كان يجب ان لا يحدث مطلقا؟ المسؤولية تتحملها لا شك قيادة السلطة الوطنية حتى لو كانت لا تزال تعاني عميقا من التدمير المنهجي الذي نظمته اسرائيل ضدها على مدى سنوات، لكنها ايضا مسؤولية جماعية للنخبة السياسية الفلسطينية ايّاً تكن اتجاهاتها لأنها تتعلق بالمشروع الوطني لكل الشعب الفلسطيني، مشروع بناء الدولة المحررة.

... كان "حادث" رفح اشارة اعاقة ذاتية عالمثالثية.

***

ليس هذا النوع من التناقض السلوكي على المستوى الجماعي الفلسطيني جديدا، فقد شهدناه في ظروف مختلفة... تناقض بين هذا النضج الوطني الذي يقاتل منذ العام 1988، الانتفاضة الاولى، داخل الارض المحتلة، ويحمل في الآن معا مشروعا سياسيا يفاوض عليه مع العدو وبدون عقد، وبين السلوك "التدميري" الذاتي الذي يظهر بين الحين والآخر مثلما حصل على معبر رفح مؤخراً.

على أن هذا النوع من التناقضات في الشخصية الجماعية الفلسطينية التي تعرضت لاضطهاد استئصالي لا مثيل له في التاريخ الحديث، لا ينبغي ان يحجب الخط الصاعد تاريخيا الذي عادت تسلكه القضية الفلسطينية منذ اكثر من عقدين نحو حل ما عادل لها ضمن السقف الذي ارتضاه الاتجاه الغالب: دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

ولعل لبنان عاد ليكون احدى اهم دوائر اختبار مدى "جاهزية" النخبة السياسية الفلسطينية للتكيف مع المسؤوليات الجديدة الناتجة عن تقدم المكتسبات النضالية الفلسطينية على ارض فلسطين. وعلى هذا الصعيد، بقدر ما تقدم التجربة الفلسطينية أمثولة إيجابية للبنانيين عن كيفية عدم المساس بالخط الاحمر للوحدة الوطنية بقدر ما يتحملون اليوم مسؤولية ان لا يشكلوا احد عوائق اساسية أمام فرصة تاريخية متاحة لاستعادة سلطة لبنانية "طبيعية" أي منتشرة على كل اراضيها... اذا لم يضيِّع اللبنانيون انفسهم-عبر طبقتهم السياسية الفئوية جدا- هذه الفرصة.

بكلام آخر، لبنان هو ايضا احد "مراصد" هذه السمة التناقضية في الشخصية السياسية الفلسطينية: الاحساس العالي بالمسؤولية الوطنية وقوة ثقافة الخروج على القانون في الوقت نفسه!!