معاريف شلومو غازيت (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية سابقاً)

منذ أكثر من عشر سنوات، وفي أعقاب الاعلان عن اتفاقات أوسلو بين اسرائيل والفلسطينيين، انتهى الحكم العسكري الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومنذ عام 1994 تاريخ مغادرة القوات العسكرية الاسرائيلية قطاع غزة، وبعد عشر سنوات، كذلك، على احتلال اسرائيل لما يشبه "جزر يابسة" في الضفة الغربية، تخلت اسرائيل عن مسؤوليتها الادارية عن المناطق الفلسطينية والسكان فيها، وتم نقل صلاحيات ادارة أوضاع السكان المحليين، الفلسطينيين، الى السلطة الفلسطينية بنسبة 97 في المائة. وبعد تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي الأخير من قطاع غزة تباهى رئيس الحكومة الاسرائيلية بقوله ان "نهاية احتلال اسرائيل للقطاع قد تمت". بيد أن من يتابع الأخبار، يلاحظ أنه ثمة بين الأخبار والعناوين الكبيرة التي تتحدث عن مرض رئيس الحكومة، وعن صراعات القوة داخل الأحزاب الاسرائيلية، وعن تعاظم الخطر النووي الايراني وغيرها، ثمة عناوين فرعية صغيرة تتحدث عن الأعمال والنشاطات الأمنية ـ العسكرية الاسرائيلية في المناطق المحتلة، في الضفة الغربية وقطاع غزة، تتحدث عن: قتل واعتقال بعض المطلوبين، نصب حواجز جديدة، وأخيراً الاعلان عن فصل شمالي الضفة الغربية (التي يعيش فيها نحو 800 ألف مواطن فلسطيني يشكلون حوالي ثلث سكان الضفة الغربية) عن بقية أجزاء الضفة الغربية، ولا سيما عن وسط وجنوب الضفة. أما في قطاع غزة فتتواصل النشاطات العسكرية الاسرائيلية "ضد من يقومون بإطلاق الصواريخ على اسرائيل". خلال 30 عاماً أقامت اسرائيل حكماً عسكرياً "متوازناً" الى حد ما في المناطق الفلسطينية، فهي كانت تهتم من جهة أولى بأوضاع السكان، حياتهم وأعمالهم وبتقديم ما ينقصهم، ومن الناحية الثانية كانت تسعى جاهدة لبسط قوتها والحفاظ على الأمن الاسرائيلي. المسؤولية الادارية كانت قبل كل شيء تعني ضرورة وجود إدارة تنظيمية ومصادر تمويل لتنفيذ ذلك، واسرائيل هي التي أمدت وزاراتها المختلفة بالأموال اللازمة لمكاتب الادارة المدنية التي كانت تعنى بأوضاع السكان المحليين واحتياجاتهم، والادارة الاسرائيلية هي التي فعلت وأدارت المؤسسة التعليمية الفلسطينية وكذلك الصحية، وهي التي كانت تقوم بشق الطريق وصيانتها وحرصت على تزويد المناطق الفلسطينية بالمياه والكهرباء وغيرها من الاحتياجات الضرورية للحياة والاستمرار. الحكم العسكري، رسمياً، انتهى، ولكن الاحتلال العسكري الاسرائيلي بقي حتى الآن ولم ينته. واسرائيل تواصل العمل والنشاط في المناطق المحتلة وهي تفعل ذلك الآن دون حدود ودون أي رادع، إضافة الى ذلك، فقد حولت اسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية خلال السنوات العشر الأخيرة الى "احتلال فاخر" (ديلوكس)، ليس لجهة ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني منها، ولكن لجهة الطريقة المريحة التي تدير بها هذا الاحتلال. فالأجهزة الأمنية تعمل بحرية في المناطق الفلسطينية، وهي تقوم بعملياتها العسكرية دون رادع، ولا تأخذ في الحسبان إلا مصالحها العسكرية فقط، دون حساب لأية موازين أخرى، التي يجب الأخذ بها، ولا تعمل على أن يكون هناك توازن بين الضروريات العسكرية من جهة وبين مصالح وحياة السكان من ناحية أخرى، لذلك، فلا حاجة لخداع أنفسنا أكثر من ذلك، فمهما كان الاحتلال فاخراً، "ديلوكس"، فإنه لا يستطيع العيش طويلاً.