أضفى نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني، على التحرك المصري السعودي تجاه لبنان نكهة خاصة، تؤكد مقدار الاهتمام بمسار العلاقات اللبنانية السورية.

من المبالغة القول انه جاء الى المنطقة ليضع هذا الملف في طليعة اهتماماته. الصحيح ان المسؤول الاميركي قد تطرق إليه في كل من القاهرة والرياض كجزء تفصيلي من محادثات أوسع، شملت الوضع في العراق، والملف النووي الايراني، وأولويات أخرى في المنطقة. بعض المتابعين يؤكد أن بيروت <<نالت حصتها>>، من الجانب الاميركي، استضافت قبل أيام مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد ولش، على مدى يومين، حيث استطلع الاجواء، وأبلغ الرسائل التي تريد إدارته إبلاغها الى عدد من المسؤولين والفعاليات. لم ينف الحديث عن وجود مبادرة، لكن لم يؤكده، وترك لبعض من ضمهم مجلسه، حرية الاستنتاج بأن المبادرات سواء أكانت عربية (أمين عام الجامعة)، أم سعودية، أم مصرية، يجب أن تمر أولا بالمصفاة الاميركية، ثم يجب أن تقترن بسلّة من الشروط، أولها ما أشار إليه والش شخصيّا عندما أكد على وجوب التعاون السوري التام مع لجنة التحقيق الدوليّة، كمدخل لأي بحث في أي ملف آخر، وأكد أيضا أن لا صفقة مع سوريا على حساب لبنان؟!.

وفي الحسابات أيضا، أن تشيني هو الرجل القوي والنافذ في إدارة الرئيس بوش، وأنه رجل القرار، في حين أن والش هو تقني إداري، من كبار المؤتمنين على البريد الدبلوماسي، في تبلّغ الرسائل، وإبلاغها، الى الجهات المعنية.

أن يأتي تشيني الى المنطقة، يعني أن هناك ما يخطط له، ويريد وضعه موضع الفعل، للخروج من المستنقع العراقي، أو للدخول في مغامرات جديدة مع بعض الدول المصنفة أميركيّاً <<بمحور الشر>>، وضمناً سوريا وطهران.

كان لبنان <<الجزء التفصيلي>> من مهمته، لكونه ساحة التلقي لردود الفعل، والارتدادات الاقليمية، للزلزال الذي يحدثه التورط الاميركي في العراق، او الذي قد يحدثه على جبهة بعض المحاور الناشطة، والتي لم تدخل بيت الطاعة بعد؟!. أما نوعية هذه الارتدادات، ومدى تأثيراتها الداخلية، فالامر هنا لا يحتمل الاجتهاد، نظرا لترابط حلقات المسلسل الذي يبدأ باستنكاف الوزراء الشيعة، الى الاسباب الحقيقة التي أفضت الى هذه النتيجة، والتي لم تتم معالجتها بعد، نظرا لوجود استحالة في مكان ما قد تكون مرتبطة بكيفية التعاطي مع القرار 1559، وفي كيفية مقاربة ملف العلاقات اللبنانية السورية المعقد، ومندرجاته التي لم تتقبلها دمشق بعد برحابة صدر، من ترسيم الحدود، الى إقفال المعابر غير الشرعية، الى هوية مزارع شبعا، الى السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، الى إعادة النظر في الاتفاقيات غير المتوازنة، الى إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين... الى الامتثال اولاً وأخيراً الى متطلبات التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كل هذه العناوين شكلت مادة بحث بين تشيني، ورئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري، خلال لقائهما في مطار الرياض، في وقت كشف فيه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل النقاب عن وجود مبادرة وضعها بتصرف المسؤولين في كل من بيروت ودمشق، بانتظار أجوبتهما عليها.

لا أحد في بيروت يملك معلومات عن وجود مبادرة، إلا العناوين السبعة التي جرى التصويب باتجاههها قبل أيام، والتي لم يتبنّها أحد، وقد وصفت يومها بمبادرة <<الورقة البيضاء>>. بدوره، الرئيس فؤاد السنيورة لا يتحدث عن مبادرة، بل يؤكد على وجود أفكار خرجت من دمشق وهي بحاجة الى بلورة. والكرة ليست إطلاقا في المرمى اللبناني بل في المرمى السوري، المفتوح بدوره على المبادرات العربية، الخاضعة بدورها الى المصفاة الاميركية؟!...