ربيحة علان علان - مخيم الجلزون – رام الله المحتلة

مازلت أحاول طرد فكرة عدم قدرتي على الدخول إلى القدس مجددا. كان من الصعب دوما دخولي إلى القدس لزيارة المسجد الأقصى باعتباري من لاجئي مخيم قريب من رام الله، ولكن المخاطرة والصبر وبذل الوقت والجهد كان يؤدي بي وأمثالي بين وقت وآخر إلى داخل الأقصى للصلاة في الأيام الجليلة.

اليوم يزداد الوضع تعقيدا مع زيادة إحكام الصهاينة على القدس خاصة عبر حاجز قلنديا وحزام المستوطنات المحيط بها. أصبحت المخاطرة تعني موتا مؤكدا أكثر من أي فترة سبقت. وعندما تفكر أنك ستموت لمجرد ممارسة حقك الطبيعي في الصلاة والتنقل في أرضك؛ فإن أي أمر آخر يهون.

المأساة لا تتوقف على مدخل مدينة القدس بل على مدخل كل مدينة في الضفة الغربية، حواجز في كل مكان أكثر خطورة من أي فترة مرت بنا كفلسطينيين وأكثر قسوة من أي معاناة يعيشها شعب في هذا العصر. وفي داخل كل مدينة حواجز "طيارة" أي تظهر من وقت آخر -"غير ثابتة"- لا تتوقع مكانها أو زمانها إلا قليلا.

الحواجز الثابتة الان على مدخل كل مدينة أشبه بل أصعب من "المعابر الحدودية" بين دولة وأخرى. تنقلت في الماضي بين دول عدة لم أشعر بالضيق والصعوبة التي أشعر بها اليوم عند التنقل من مدينة إلى مدينة في الضفة الغربية أما باقي فلسطين المحتلة فقد غدا الوصول اليها شيئا من المستحيل منذ زمن.

طالبة جامعية تقطع يوميا المسافة من قرى نابلس إلى رام الله للالتحاق بفرع جامعتها في رام الله بالرغم من أن الطريق بين قريتها وفرع الجامعة في نابلس لا يحتمل دقائق، والسبب أنها لا تستطيع المرور يوميا عبر الحاجز الكبير على مدخل نابلس. وإذا كان أبناء قرى نابلس لا يمكنهم الدخول إلى المدينة كما يجب؛ فإن ذلك يعكس مدى الصعوبة التي ستواجه أبناء مدينة رام الله مثلا عند زيارة نابلس. والذي لا يعرف طبيعة الأرض الفلسطينية قد لا يتفهم مدى مأساتنا وقد يظن أن مدننا بحجم الولايات التي تتمتع بمساحات كافية للحياة ولكن مدننا من الصغر في المساحة بحيث يكون الحاجز بين مدينة وأخرى كأنما هو على عتبة منزلك من جهة ومن أخرى. لقد حذر كثيرون وصرخ قلة بأن اسرائيل منذ سنوات تسعى لجعلنا "كنتونات" "جيتوهات" معزولة .. لكن أحدا لم يقدم أي رد فعل يوقف اسرائيل عما خططت له. الجدار اكتمل أو يكاد وأكل من أراضينا وأجسادنا ومستقبلنا ما أكل و"الحبل ع الجرار". والكنتونات أو الجيتوهات أو الحظائر قد اصبحت واقعا. وأصبح بين كل حظيرة وحظيرة "معبر"وأكثر من "محشر". و"المحشر" هو التعبير الذي يستخدمه بعض الفلسطينيين بمرارة لوصف أقسام التفتيش في الحواجز. وهي كلمة عاميّة يعرف بها المزارعون المكان الذي يعزل فيه "الخروف" أو غيره من أفراد الحظيرة استعدادا لذبحه أو جزّ صوفه أو حلبه إن كان بالامكان ذلك.. وفي الحواجز الحدودية التي أقامتها اسرائيل – رعاة البقر - عند مدخل كل مدينة فلسطينيّة نجد ثلاث أو أربعة "محاشر" في كل حاجز. فبعد اصطفاف المارة في طوابير طويلة ولساعات عديدة يدخل من جاء دوره من ذكر أو أنثى صغير أو كبير مريض أو غيره ليقف في أحد تلك المحاشر، وهناك يجز صوفه وتكشف عورته وتذبح كرامته ويمر معلبا بالإذلال إلى مكان عمله مختوم بساعات حافظة للذل يعود بعد نهاية عمله في المساء إلى ذات المحشر ليعاد تعليبه بالإذلال لساعات أخرى.