في برنامج «كوميدي» تعرضه إحدى القنوات اللبنانية, تضمن لوحة عن رجل أمن سوري يرتدي ملابس واقية من الأوبئة, يُمشِّط منطقة في الحدود السورية ­ اللبنانية. وعندما يسأله مواطن لبناني عما يفعله, يخبره أنه يخشى من فايروس قد يرشح من لبنان الى سوريا.

ولدى سؤاله, عما إذا ما كان فايروس أنفلونزا الطيور, يجيب السوري, لا إننا نخشى من فايروس «الديموقراطية والحرية!!». عدا الكوميديا السمجة والصورة العنصرية التي يحب بعض «الأشكاء» في لبنان أن ينمذجوا بها صورة السوري المستبد الجاهل والمتخلف الأمي الذي لا يجيد لفظ الأسماء الأجنبية, فهو يتعثر بلفظ كلمة «فايروس» كما «انفلونزا الطيور». لكنه لا يخطئ كونه رجل أمن في لفظ «الديمقراطية» ربما لأنه مكلف بالسهر على منعها!! ونرجو أن لا يزعلوا منا, فسوف نخاطبهم بالـ «أشكاء» تيمناً بفينيقيتهم التي ينكرونها على السوريين, وخشية من نعتنا بالعروبية المقعرة والقومجية البائدة, ثم وهو الأهم كي يفهموننا.

نقول, عدا الركاكة والغلاظة الدرامية الفنية, لا بد من سؤال للـ «الأشكاء» الأعزاء الذين أنتجوا اللوحة, وهم محسوبون من «المسأفين» ومعهم كل من يعيّر السوريين بغياب «الديموكراتية», هل هم مقتنعون أن في لبنان ديمقراطية قابلة للتصدير عن طريق العدوى سواء كان الى سوريا أو غيرها؟ ثمة برنامج حواري على القناة ذاتها, يظهر فيه شاب لبناني يبدي استغرابه من الشعب السوري الذي لا يتحرك مثل الشعب اللبناني, وطبعاً تفاخر بالحريات اللبنانية التي يبدو أنها مسألة جينات.

مع احترامنا الشديد لمطالب الشعب اللبناني وطموحاته ولحرياته, وحتى لديمقراطيته التي نقول عنها بأنها مصطنعة ومزيفة, لا بد من الإشارة إلى أن الشيء الوحيد الذي يُرفع له القبعة في اللوحة الكوميدية تشبيه الديمقراطية والحرية اللبنانية بالمرض, مع أنه لا ينطبق عليه توصيف الوباء الفايروسي, لسبب بسيط أن لبنان حالة خاصة وفريدة في العالم العربي. نعم يوجد فيه تعددية وحرية وإن كانت للأقوى, لكن لا يوجد ديمقراطية, لتنافي مفهوم الديمقراطية مع مفهوم الطائفية. فالانتماء للطائفة يعلو الانتماء للوطن, كما تقضي مصلحة الطائفة أن يتمثل الشعب بزعامات طوائفه وعشائره, لا بتياراته الفكرية والسياسية, فالحالة المدينية والحضارية التقدمية المنتجة للديمقراطية, على الضد تماماً من الحالة العائلية والعشائرية والطائفية التي اقل ما توصف به بأنها تعود بالناس إلى ما قبل ظهور الدولة. لكن لبنان حالة فريدة ومتفردة, ألم يتوطد هذا النظام بقوة القوى العظمى كأفضل الحلول السيئة؟ إذاً هذا النظام الفريد غير قابل للتصدير, لأنه بات محكوماً بمعادلات الكيان اللبناني. وإذا كان هناك من يعتقد, كما يفهم من تصريحات البعض في الحكومة اللبنانية, أن اميركا تدعم حرية لبنان من اجل إنتاج نموذج ديمقراطي صالح للتعميم في المنطقة, لتعويض الفشل الذريع في إنتاج نموذج كهذا في العراق, فهم حتماً مخطئون, لأن سوريا جربت الوصفة الفرنسية التي قسمتها إلى دويلات طائفية, ورفضت التقسيم الطائفي والتمثيل الطائفي, وبقي الانتماء الأول لسوريا بحدودها الطبيعية, وحبنا لفلسطين ولبنان والأردن يندرج تحت هذا الولاء وإن كره الكارهون.

ومع هذا فإن السوريين كأي شعب مغلوب على أمره في هذا العالم النامي يحلم بديمقراطية حقيقية, وقد أثرت فيه الحرب الاميركية على العراق, وجعلته يعيد حساباته في تحقيق حلم التغيير, وأرغمته على التمسك بالأمن والاستقرار على حساب أولويات حتمية, إذ ما الذي يعنيه الأمن والاستقرار مع حرية أقل ما يقال عنها انها منقوصة, إن لن نقل مفتقدة. ما يجري اليوم هو أن المشروع الاميركي صادر بفظاظة وبشاعة حلم السوريين, وزرع مكانه الرعب من حمامات الدم المجانية. أما لعبة الانتخابات التي أرادتها اميركا لحفظ ماء وجهها القبيح في العراق, فلم ترتق إلى مصاف انتخابات مرحلة الاستقلال, إذ كان معيار الانتخاب الانتماء الطائفي لا الوطني. وهو ما يرفضه السوريون ويرون فيه نموذجاً للتفكك والانحطاط. إذ كيف يمكن الاقتناع بانتخاب مرشح ما فقط لأنه ينتمي الى هذه الطائفة أو تلك بغض النظر عن برنامجه الانتخابي الوطني؟ فكل طائفة تنتخب ممثليها حتى لو لم يكن أبناؤها متماثلين فكرياً أو سياسياً, بل لا رابط بينهم سوى أنهم انتموا الى هذه الطائفة بالولادة, وبالتالي يتحول البرلمان من مكان لمناقشة قضايا الوطن والمواطن الى مكان للحفاظ على المصالح الفئوية, والتنازع على توزيع الحصص. بمعنى آخر يصبح الوطن كعكة تتناهشه الطوائف.

نعم نحن في سوريا نعاني غياب الديمقراطية وفقراً مدقعاً بالحريات, لكن لبنان ليس نموذجاً, ولا العراق الاميركي نموذجاً, وبالتالي لا يحق لأحد لا في لبنان ولا في أي بلد عربي أن يعيّر الشعب السوري بصمته, أو غياب الحرية, نحن لا نرغب في تسكين آلامنا بدواء لا يشفي إن لم يكن داءً مستعصياً آخر. لكل شعب تجربته وعلى قياسه, ومقاس الشعب السوري كبير جداً, فلا يزايد علينا أحد, تاريخنا يشهد على ما عانيناه والأثمان الباهظة التي سددها الناس العاديون من أجل الحفاظ على بلدنا وبلدان «الأشكاء» أيضاً. وإذا كان طريق الديمقراطية مؤجلاً, فهو ليس معطلاً, وحسب شعبنا أنه لم يهدأ يوماً عن طلبها.

لا بد من القول لكل من يسير بركب الدعاية القائلة بالسقوط الوشيك للنظام في سوريا, أن لدعايتهم مفعولاً عكسياً, كون الشارع يترجمها تبشيراً بالخراب والرعب وكارثة مشابهة لما يحدث في العراق. فهل كان سقوط نظام صدام حسين يستحق ما أفرزت تداعياته من خسائر مدمرة ومآسٍ فاجعة؟ هذا الانتقاد لا نوجهه نحن فقط, وإنما أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الاميركي, ويصرون على أنه كان من الأفضل لأميركا والدول المتحالفة معها أن تبحث عن حلول أخرى, لكن طبقاً لحسابات المحافظين الجدد, فإن المشروع الإمبراطوري الاميركي يستحق الكثير من القتل والدمار.

ولنسأل المروجين لدعاية السقوط الوشيك للنظام السوري, ومعهم كل من سلم بالقضاء والقدر الاميركي: أي الحسابات تعتمدون في الربح والخسارة, هل تعتقدوننا نقبل بفرط عقد الدولة وفتح الاحتمالات على الموت والخطف والتفجيرات العشوائية؟ لا يكفي إلقاء اللوم على النظام الذي فرَّغ المجتمع من البدائل, كما لا وقت للندب والنواح على ما مضى, في وقت يهدم البلدوزر المنطقة بسرعة قياسية. الجميع مطالبون بمواقف وإجابات واضحة, ماذا نريد وإلى أين نمضي؟ هل المصلحة الوطنية تقتضي أن تصبح أحلامنا أداة لتنفيذ المشروع الاميركي, ثم ترمى بعد استهلاكها؟ أليس علينا النأي بطموحنا للتغيير عن الاستغلال الخارجي حتى من قبل الذين يتباهون بالعمل على إقامة ديمقراطية مفبركة على قدر الضغوط التي يتعرضون إليها؟ وريثما نستعيد القدرة على النهوض مجدداً وخلق واقع قادر على إنتاج ديمقراطية حقيقية, لا ديمقراطية معسولة, لابد من وضوح في الرؤية, والتساؤل, هل نريد ديمقراطية لإرضاء الغرب, أم لتسكين الضغوط, أم لطمأنة «الأشكاء», أم لأننا نريد وطناً أفضل وحراً, يتسع للجميع دونما استثناء؟