السخونة التي ميزت نقاشات النواب للمسألة السورية، ليست دليل عافية على الإطلاق، وهي تثير من علامات الاستفهام والتساؤل، أكثر مما توفر من الأجوبة الباعثة على الطمأنينة وذلك لسببين: الأول: أننا، للأسف، لا نشهد نقاشات بلغت حرارتها هذه الدرجة من السخونة حول المسائل المحلية، برغم ’’حرارة’’ المواضيع التي تعين على المجلس مناقشتها، بل أننا لم نشهد على استمساك السادة النواب - بعضهم على الأقل - بمواقفهم وثباتهم عليها، فكم من موازنة واتفاقية ومعاهدة، رفضها المجلس بأغلبية كبيرة، عاد للقبول بها وبغالبية أكبر، قبل أن تجف أحبار قراراته الأولى. والثاني: أن الجدل حول ’’المسألة السورية’’ وما يترتب عليه من انقسامات واصطفافات، يذكرنا بفصول سابقة لجدل مشابه احتدم في صفوفنا حول ’’المسألة العراقية’’، لكأننا نأبى ان نتعلم من تجاربنا الخاصة، فما بالك حين يتعلق الأمر بتجارب غيرنا. وفي مسألة الجدل هذه، تبرز بعض الفجوات والثقوب العميقة التي لم يبرأ منها الخطاب ’’الأهلي’’ الأردني، ونقول الخطاب الأهلي، لأننا لم نبلغ بعد ضفاف الخطاب المدني بمفرداته الإنسانية المعروفة، فكيف يمكن لنا أن نتجادل أو نختصم على مبادئ الحرية والديمقراطية والتعددية، ونحن ممثلون لقوى ومعبرون عن اتجاهات لا تكف عن المناداة بإشاعة هذه القيم والدعوة لاعتمادها ناظما لحياتنا المحلية.

كيف يمكن لنا أن نكون ديمقراطيين في الأردن وصامتين على ذبحها في الساحات الشقيقة؟ ... كيف يمكن لنا أن نتبنى خطابا ’’مزايدا’’ على جميع الخطابات الصادرة عن قوى ’’نظيرة لنا’’ وشقيقة لفكرنا وتوجهاتنا، إسلامية كانت ام قومية، يسارية أم ليبرالية...كيف يمكن لنا أن نتحدث عن مكة وأهلها الذين هم أدرى بشعابها، وننكر على أهل دمشق، كما انكرنا من قبل على أهل بغداد، درايتهم بشعابهم، فنصدر من المواقف ما يتخطى ويتجاوز مواقف مختلف الأطراف والأطياف، لكأننا القيمون على القومية والدين، على الحاضر والمستقبل، لا في بلادنا فحسب، بل في مختلف بقاع العالم.

ويبرز هذا الجدل أيضا، ’’ضيق ذات اليد’’ الذي نعيشه معرفيا، حين تدبج الخطابات والمرافعات السياسية والقانونية، التي تطاول في حماستها ولفظيتها، ’’ذروة سنام’’ أشد الخطابات الرسمية في عاصمتي البعث، غلوا في الولاء والالتزام وفي النفاق والرياء؟. كيف يمكن لنا أن نسمح ببلوغ انقساماتنا حد التشاتم والتنابذ والتلويح بالقبضات المضمومة، فيما فرقاء الصراع أنفسهم لم يبلغوا هذا الحد، لكأننا ملكيون أكثر من الملك، حين يختص الأمر بالجوار الشقيق، ومواطنون ’’أوف شور’’ حين يتعلق الأمر بمسائلنا الوطنية؟.

ثمة إرباك وارتباك ظاهران في فهم نخبنا السياسية لما يدور من حولنا، وثمة أولويات وحسابات تحكم مواقفها وتتحكم بها، ليست المصلحة الوطنية سوى واحدة منها، في أحسن تقدير، لا أولها ولا اهمها، وبعد أن كان الارتباك سمة تباعد بين تياراتنا السياسية والفكرية، أصبح الإرباك سمة مبثوثة داخل التيار، وليس الإنقسام الإخواني حول الموقف من سوريا سوى غيض من فيض هذا الارباك والارتباك، وهو إذ يبرز على السطح اليوم، فإنما يعيد سيرة مماثلة عندما كان العراق - ولم يزل - هو موضوع الجدل ومادته.