يكتفي الرئيس ميشال عون بموقف المراقب في النزاع المفتوح بين فريقي الغالبية النيابية والتحالف الشيعي، وان يكن يبدو اكثر ميلاً الى الثاني، ووثوقاً بجدية الحوار معه. وهو يعتقد ان ثمة حلاً ممكناً للخلاف الحاد على البند العالق تنفيذه في القرار 1559، المتصل بسلاح "حزب الله". وفي وسعه – لو كان جزءاً من الحكومة الحالية – تحقيقه. في الاجتماعات التي عقدها فريقا عمل الحوار بين العماد و"حزب الله" ابلغ عون الى محاوره الشيعي انه سيقدم الحل المناسب الى الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله عندما يحين اوان لقائهما.

وما يرويه عون في مجالسه الخاصة، تتحدث عنه ايضاً اوساط "حزب الله" اذ تشير الى مسألتين عالقتين في الحوار مع الزعيم المسيحي: القرار 1559 ورئاسة الجمهورية (غير المطروحة للتداول في الوقت الحاضر). وتضيف ان موقف "الجنرال" من القرار 1559 لم يتغيّر وأنه صارح الحزب به تكراراً، وهو ان عليه ان يتخلى يوماً ما عن كل سلاحه ويسلمه الى الجيش اللبناني ليكون في عهدة الدولة التي هي المرجع الوحيد المعني بالامر. لكن ذلك يقتضي، في رأي عون، تبديد كل الاسباب التي بررت حتى الآن وجود مقاومة للاحتلال الاسرائيلي: مزارع شبعا والانتهاكات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية.

ويقول: "الامن والدفاع مسؤولية الدولة، ولكننا في المقابل نتفهم هواجس "حزب الله" ونريد طمأنته. بعد الانتخابات النيابية كنا ولا نزال في المعارضة، وكانت الغالبية تتحدث عن تأييد سلاح المقاومة. الآن بدلت الغالبية موقفها. وسواء طالب البعض بتنفيذ القرار 1559 او تنفيذ اتفاق الطائف، المطلوب حل واحد هو حصر المسؤولية الدفاعية بالسلطة. ولذلك عندما نتوصل الى الحل المنشود لسلاح المقاومة لا تعود الصفة التي يريدها هذا الفريق او ذاك ذات اهمية".

وبمقدار ما يعكس عون ايجابيات حواره مع "حزب الله"، يتبع سياسة الابواب المفتوحة مع الافرقاء الآخرين كرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، ورئيس الغالبية النيابية سعد الحريري. ويتصرف كأنه بالفعل "الجوكر" الوحيد- والعبارة لمرجع كبير في الدولة – في مسار اللعبة السياسية الحالية الذي يحتاج اليه الجميع: الرئيس نبيه بري و"حزب الله" وجنبلاط والحريري وحركة 14 آذار من اجل المساهمة في اخراج الوضع الداخلي من مأزقه.

يحمله ذلك على الاعتقاد ان استبعاده عن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة قاد الى الازمة الاخيرة، وهو تالياً لا يرى حلاً لها الا باحد خيارات ثلاثة سيؤدي حكماً الى مباشرة حوار داخلي جدي: استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، استقالة حكومة السنيورة، استقالة رئيس الجمهورية.

واستناداً الى قراءته لمسار النزاع الداخلي، يشكك عون في امكان سلوك الافرقاء الثلاثة المعنيين هذه الطريق: لا التحالف الشيعي في صدد التسليم بهزيمة سياسية والخروج من الحكومة الحالية مع معرفته سلفاً بانه سيعود بالحجم نفسه الى أي حكومة اخرى، ولا السنيورة في صدد الاستقالة لانه سيفقد والفريق الذي يمثل غالبية الثلثين في أي حكومة جديدة وإن برئاسته، ولا الرئيس اميل لحود ينوي التنحي في ظروف انقسام كهذا وعدم الاتفاق على خلف له.

في الحصيلة المأزق مستمر. ولا يتردد الزعيم المسيحي في الاقرار بأن كلاً من الخيارات الثلاثة هو قرار طائفي: قرار شيعي، وقرار سني، وقرار مسيحي. ابعدها الى التحقق اعتزال لحود. وربما بسبب ذلك يميل عون الى خيار استقالة الحكومة، ويقرن ذلك بملاحظات بينها:

– ان اعتكاف الوزراء الشيعة عن ممارسة مهماتهم الحكومية بدعة غير مقبولة وتتعارض مع احكام الدستور والتضامن الوزاري، الا ان عجز الحكومة نفسها عن حل مشكلاتها يقتضي ان يؤول ايضاً الى استقالتها تفادياً لفراغ في دورها.

- ان أي حكومة جديدة ستكون اكثر توازناً، وخصوصاً لجهة التمثيل المسيحي فيها الذي يصبح أقدر على الاضطلاع بدور صمام الامان في مواجهة الخلافات الداخلية. وهو مغزى مناداته بحكومة اتحاد وطني تعكس التوازنات الوطنية الصحيحة. واذ يقول انه لا ينكر على الوزراء المسيحيين في حكومة السنيورة تمثيلهم قسماً من الرأي العام المسيحي، الا انهم في واقع الحال لا يمثلون سوى 20 في المئة منه فقط، في حين ان ممثلي 80 في المئة من المسيحيين أُبعِدوا عن الحكومة.

ويوضح: "لا ننكر عليهم حجمهم بل استئثارهم بحقنا. وتالياً نحن اصحاب الحق في التمثيل المسيحي الاوسع. وما دمنا في ظل قانون انتخاب يعتمد قاعدة التمثيل الاكثري، فنحن اصحاب هذا الحق".

– يجزم العماد بانه لن يرفض المشاركة في أي حكومة جديدة، من غير ان يعني ذلك نقداً ذاتياً لرفضه المشاركة في الحكومة الحالية، وقد دُفِع الى ذلك بعدما حاول الطرف الآخر تقليص حصته التمثيلية فيها ليتمكن فريق الغالبية من الامساك بثلثي المقاعد فيها. الا ان تقويمه للاشهر الاخيرة من عمر حكومة السنيورة اظهر له ان الطريقة التي اتبعتها هذه الغالبية في اخراجه من الحكومة من دون صدام وقبل تأليفها، هي نفسها التي اتبعتها لاخراج التحالف الشيعي بدفعه الى الاستقالة بعد اشتباك سياسي حاد وخطير ارتبط الى حد بعيد بالخيارات السياسية والوطنية الرئيسية اكثر منه بخلاف على الحصص وحجمها. والمقصود بذلك في رأي الرئيس السابق للحكومة ان الغالبية تريد الاستئثار بالقرار السياسي في السلطة التنفيذية.

– يُدرج الزعيم المسيحي مشاركته في أي حكومة مقبلة، وهو يظنها حتمية،ـ في اطار خطة ترمي الى تصويب التوازن السياسي الداخلي وليس التمثيل المسيحي فحسب، معتبراً ان الاجراءات التي تحاول حكومة السنيورة اتخاذها في حمأة النزاع مع التحالف الشيعي تساهم في تدمير عناصر الثقة بها من خلال سلسلة تعيينات في الادارة والامن. ويقول انها محاولة لـ"تهريب" التعيينات في الوقت الضائع.