اذا لم يكن السوريون قد انقسموا, بشكل من الاشكال, امام اعترافات عبد الحليم خدام وانتقاداته وتصريحاته... فإنهم, على الأقل, احتاروا وأصيبوا بصدمة الفضول السياسي والاخلاقي. هناك من رأى السياسة في الكلام, ولم ير الخلفية السياسية في الاطروحة.

وهناك من تفحص «مشروع» خدام القادم في صيغة جديدة, واطلالة جديدة, بعيداً عن «بعثيته» الثابتة, و«أسديته» المتحولة... ولم يكترث لـ«شروع» خدام في خدمة الخارج الهاجم على سوريا. وهناك من رآه حليفاً موقتاً جاهزاً, في لعبة التتابع, للدخول الى دمشق من بابها الغربي... ولم يفتح له ملفاته السود في التجارة والشطارة والفساد. فهو اولوية ثانية. وهناك من ساعده خدام في فتح العيون على امكانية العصيان, والفرار السالم من سفينة تتقاذفها امواج, وتلعب بها الرياح. وكذلك هنالك وهنالك... من استشعر الخطر اكثر فأكثر جراء الشهادة للجنة الدولية, والتي تؤخذ كثيراً بعين الاعتبار السياسي, ان لم يكن الجنائي. فتؤدي الى تشجيع اعترافات مضمرة او افتراءات مثمرة, لدى آخرين... في علوم الغيب!!

ثمة بلبلة واضحة خلقها الرجل, وهو مستريح. فأصبح, بين عشية السلطة وضحى الانشقاق... شاغل الناس في سوريا. ولا أحد يستطيع تهدئة هذه البلبلة لا في السلطة ولا في المعارضة. فالسلطة حاسمة أمرها... اتهمته بالخيانة العظمى. وهذا يعني خلق حالة اتهامية جديدة كافية, حتى لاعتقال مَنْ يشتبه في أنه «خدامي» او يناقش «اطروحته» بعيداً عن الشتائم وفتح الملفات, كما قد يفعل الكثيرون ممن لهم ثأر مع السلطة, على الرغم من العجز الاجرائي عن فعل أي شيء عقابي او ثأري من قبل السلطة تجاه خدام. فقد بيعت علناً المطاعم التي يملكها اولاده, وصفيت شركات وهربت أموال... ولم يبق سوى القصور. وهي «فراطة» في حساب المليار دولار. وهي ضحية تقليدية لفرار مالكيها, في كل الدنيا, وعبر العصور.

أما المعارضة... بما أنها تبنت الخيار الديمقراطي, وتتمثل في الدرجة الاولى, باعلان دمشق... فقد تذهب الى تحالف الجسور والاحصنة وعربات الوصول, وقد رشت وترش, كما فعل البيانوني, حفنة من التصريحات التي تطالب باعتذار خدام عن اخطائه €وليس خطاياه€ او بتقديمه للمحاكمة, بعد ان يؤدي دوره في التغيير مشاركة, او مباركة, او محاصصة»!! وهو تكتيك سياسي ايضاً لتشجيع الحالات النقدية في النظام السوري, على التفكير بالانضمام الى حفلة التغيير المحتمل الآتي. وقد يكون هناك حوار سري, كما كان هناك اعلان علني, مع اشخاص او قوى داخل البعث وداخل السلطة للمساعدة في الاصلاح, ان لم يكن التغيير, وخصوصا ان التصريحات الأوروبية والأميركية تحاول الطمأنة بأن تغيير النظام ليس هدفاً... التعديل هو الهدف!!

بين السلطة والمعارضة ­ وكلاهما يتخبط في نوع بنوي من العجز والعزلة عن الشعب­ يقف السوريون بأسئلتهم البسيطة, وامنياتهم اليائسة, كيف يستطيع النظام القيام بخطوات شجاعة لم يعد الأقل منها مفيداً: حوار وطني شامل بجدول اعمال بسيط: انقاذ سوريا بيد ابنائها لا من وراء نظارات سعودية او مصرية. جدول اعمال يشاغب ويناقش. وتكون بعده حكومة جديدة لا وجود ليد قذرة, او لوجه محروق فيها. ولتكن حكومة معارضة ومعترضة وناقدة... ولكن ذات قرار.

بهذه الطريقة وحدها, ربما, يتخلص الطرفان المعوقان, المعارضة والسلطة من اعاقتهما الراسخة والمزمنة. ويكون لقاء منتصف الطريق قطعاً للطريق على التغيير بوسائل الخارج وأحصنة الخارج... ربما لم يفت الأوان... وهي تجربة قد تكون الامتحان الوحيد المتبقي لما يسمى بنجاح الفَشَلْ... على الأقل!!