زياد حيدر/السفير

... ونصر الله على <<نيو.تي.في>>

لم يعد مدهشاً حجم الإدمان الإعلامي الذي أصاب السوريين في الأشهر الأخيرة. أصبح التلفزيون مسامراً يومياً ارتبطت متابعته بالأحداث السياسية والحوارات المرتبطة بها والتعليقات المنصبة عليها عبر الهواء مباشرة. كان التلفزيون حتى وقت قريب، في أغلبية بيوت السوريين، أداة تسلية وإرضاء فضول. صار واحداً من الأسرة الآن. وانجرفت مع تغير وظيفته مؤخرا، باشتداد الضغوط على سوريا وتسارع الأحداث، المتعة.

تضاءل حجم الاهتمام بأفلام القنوات المجانية، تراجعت محطات الأغاني نسبياً، وتربعت برامج الحوار السياسي والأخبار في يوميات السوريين.

في قرية ساحلية أنتمي إليها، صار الحديث عن مسلسل جيد، أو فيلم ممتع يوحي بأن صاحبه قادم من كوكب آخر. لا مجال هنا لجذب الاهتمام إلا بتقليب صفحات دفاتر السياسة، بدءاً بما يجري في <<الشام>>، وحتى تفاصيل الحياة السياسية اليومية في بيروت، وصولا إلى <<سراديب البيت الأبيض حيث تعد المؤامرات>>. حالة مذهلة من الإثارة تنعشها الأفكار المتجادلة وأصحابها حول مصائر البلدان في هذه المنطقة، وأولها سوريا ولبنان.

المتلقي سوري والمرسل لبناني، والشكوى مزدوجة، متحدة أحيانا، متعاكسة أحيانا أخرى.

مثال يثير الدهشة. حين يقرر السيد حسن نصر الله أن يتحدث ينتبه السوريون جيدا إلى موعد الحديث، وتترتب على أساس ذلك برامج ذلك المساء.

وإذ ان أحداً لا يشكك بحالة الالتزام الديني الذي يشكلها نصر الله بعقيدته الشيعية المسلمة، إلا أن الإعجاب به لا يخلو من طرافة. يبعث نصر الله حالة من الشعور بالاطمئنان لا يقدمها غيره. وقبل الإعلان عن مقابلاته الطويلة تعد السيدات السلطات المناسبة، ويشوي الرجال لحمة الغنم. قبل اللقاء بدقائق يجب أن تكون المازة على الطاولة، ومع شارة البدء يدق الرجال كؤوسهم <<بصحته لها الرجّال>>. تسأل لماذا هذا الطقس الذي ارتبط سابقا بمباريات كرة القدم للفريق الوطني، والأفلام المثيرة، و<<سوبر ستار>>، وصوت أم كلثوم عبر إذاعة <<صوت العرب>>؟ تسأل ما الذي ينتهي بكل ذلك إلى نصر الله؟

<<بيسلطن الواحد على حكياتو>>. يقول أحدهم، وتعلق امرأة حالمة <<يخزي العين ما أذكاه>>. هذا الاتحاد بين ذلك العالم الذي يمثله نصر الله، من غرفة التصوير السرية جدا، والتزامه الديني المفرط وانتظام حياته العقائدية، مع جلسة السمر بعدّتها الكحولية المحرمة وكسلها الاعتيادي، وحالة العجز، لا يكسرها إلا الفاصل الإعلاني. يقطع على المشاهدين انسجامهم، ويعيدهم قليلا إلى عالم تناسوه لبرهة. تقوم المرأة لتأتي بقطع الثلج، يستغل الرجل الوقت للاستمتاع بقطعة لحم ساخنة، ويأتي أحد أولاده بإبريق الماء الساخن لمن اختار <<المتة>> شراباً للجلسة.

ينتطرون أن يقول نصر الله كلاماً يشفي غليلهم، يرد به على من يشتمهم ليل نهار. يعوض عجزهم. لو تحدث نصر الله ليل نهار دون فواصل إعلانية، لجاع الرجال، وبردت النساء وخمّت اللحمة. حسناً يفعلون بتلك الفواصل، وحسنا يفعل نصر الله بغيابه بين حوار وآخر.