بدأ عدد من مراكز الأبحاث والمؤسسات السياسية الأمريكية، المهتمة بشؤون الشرق الأوسط، في الأيام القليلة الماضية نشاطاً لافتاً للنظر. فقد نظم معهد «المؤسسة الأمريكية» مؤتمراً حول الديمقراطية في العالم العربي، عنوانه «إلى المعارضين العرب: ارفعوا أصواتكم»، ودعا إليه مجموعة من ممثلي التيارات الليبرالية لمناقشة دورهم في تحولات أوطانهم السياسية والاستراتيجية الأنجع للدعم الغربي لهم، وتلاه «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، بعقد ورشة عمل حول مستقبل الليبرالية العربية، في ضوء نجاحات القوى الدينية في مجمل ما أجري من انتخابات في عام 2005، إن برلمانية في العراق ومصر، أو بلدية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتواكب ذلك مع سلسلة من النقاشات حول نتائج الانتخابات العربية أجرتها المؤسسات الأمريكية العاملة في مجال نشر الديمقراطية، مثل «الوقف الوطني للديمقراطية» و«المعهد الديمقراطي الوطني» و«المعهد الجمهوري الدولي»، بحضور ممثلين عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية، غلب عليها التوجس من الإسلاميين والقلق لضعف التيارات الليبرالية الواضح.

وعلى الرغم من أن الاهتمام الأمريكي الحكومي وغير الحكومي بالليبراليين العرب غير جديد، إلا أن الأمر يبدو في اللحظة الراهنة وكأنه محاولة يائسة لدعم بديل سياسي أثبتت صناديق الاقتراع هشاشته الشديدة، والتمسك بقراءة غير واقعية لصيرورة السياسة العربية. ولذلك العديد من المسببات والدوافع. فمن جهة أولى، يتحدث الليبراليون العرب بخطاب يفهم الشريك الأمريكي مفرداته جيداً ويتوافق حول مضامينه الرئيسية. التحول الديمقراطي، حقوق الإنسان، مشاركة المرأة، حقوق الأقليات؛ جميعها تمثل أهدافاً مشتركة للطرفين، تتطابق حولها رؤاهما بصورة شبه كاملة. في حين يثير حديث القوى الإسلامية، المازج في بعض الأحيان لتلك الأهداف بمفردات غامضة للخطاب الديني، من شاكلة الديمقراطية الإسلامية والمرجعية الإسلامية للنظام الديمقراطي، والمشدد في لحظات أخرى على توافق التحول الديمقراطي مع مبادئ ينظر لها في الغرب بريبة، مثل تطبيق الشريعة، مخاوف الأمريكيين من انعكاسات صعود الإسلاميين على أوضاع مجتمعاتهم، ويدفع إلى تصنيفهم كفصيل غير ديمقراطي، قد يستغل آلية الانتخابات للقفز على السلطة والاستئثار بها. ثانياً، يعمق المعلن من مواقف القوى الإسلامية تجاه إسرائيل، خاصة الإرهاصات العربية للخطاب النجادي (نسبة إلى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد) النافي لشرعية وجود الدولة العبرية، من التحفظات الأمريكية ويرفع من أسهم أولئك في الولايات المتحدة الذين يقيسون مدى إيجابية إجراءات التحول الديمقراطي في عالمنا، استناداً إلى ضمانات الأمن الإسرائيلي.

لا يعدم، من جهة ثالثة، دفع الليبراليين بأن النظم السلطوية الحاكمة في الدول العربية قد همشتهم هم كتيارات سياسية، بينما سمحت للإسلاميين بالتواجد الكثيف في مجالات مجتمعية حيوية كالتعليم والإعلام والعمل الأهلي، وبأن نتائج انتخابات 2005، ما هي إلا تعبير مأساوي عن هذا الغبن الهيكلي، المؤيدين في واشنطن الذين يرون أن على الولايات المتحدة الأخذ بيد الليبراليين حتى يشتد عودهم، حتى إن عني ذلك الدفاع عن سياسات إقصائية تطول الإسلاميين. أخيراً، يعبر الاهتمام الحالي بالتيارات الليبرالية عن ميكانزم تعويضي تقتضيه توجهات إدارة الرئيس بوش التي تحظر على مراكز الأبحاث والمؤسسات الأمريكية المتلقية لدعم حكومي الاتصال بالقوى الإسلامية، وتضع العديد من القيود على دعوة ممثليها للولايات المتحدة. يلجأ عدد من المراكز والمؤسسات إزاء مثل هذا المنطق المنعي إلى رفع معدلات التواصل مع سياسيين ومثقفين ليبراليين بغية الاستئناس بشروحهم للظاهرة الإسلامية.

وبغض النظر عن أن احتفاء الولايات المتحدة بمن خسر الرهان الانتخابي وتجاهل من ربحه، إنما يرتب شيوع صورة أحادية مضللة عن تحولات السياسة العربية، فإنه يدلل قبل كل شيء على واحدة من أهم معضلات التوجه الأمريكي نحو نشر الديمقراطية في العالم العربي. فواشنطن، إدارة ومراكز أبحاث ومؤسسات سياسية، ما تزال تتأرجح بين رؤية تخلط مقتضيات التحول الديمقراطي بإعادة صياغة حقائق السياسة والمجتمع ومنهج ينظر إلى الديمقراطية كونها آلية تضمن التعبير الحر عن توازنات الواقع، ينبغي الدفع في اتجاهها حتى إن جاءت إلى سدة الحكم بقوى تخشاها الولايات المتحدة. بعبارة بديلة، نحن هنا أمام تحدي المفاضلة بين منطق يروم التحكم أو التأثير في مخرجات عملية التحول الديمقراطي، وآخر يرى أنه ليس لواشنطن محاولة التحديد المسبق لنتائج صناديق الاقتراع العربية، بل قبولها والتعاطي معها بواقعية وبالقطع في ضوء المصالح الأمريكية.

والحقيقة أن الولايات المتحدة لم يسبق لها مواجهة مثل هذا التحدي في سياق التجارب المعاصرة للتحول الديمقراطي. فقد رتب انهيار نظم الاشتراكية الواقعية استئثار قوى اليمين الليبرالي والمحافظ بمقاعد السلطة في معظم دول شرق ووسط أوروبا ومكن بالتبعية الإدارات الأمريكية المتعاقبة من التعاون الوثيق مع حكومات ما أصبح يعرف بأوروبا الجديدة. كذلك لم تشكل نجاحات أحزاب اليسار في انتخابات أمريكا اللاتينية منذ التسعينات تهديداً لمصالح الولايات المتحدة الحيوية هناك. فاليسار اللاتيني الجديد، إذا ما استثنينا حالتي شافيز في فنزويلا وموراليس في بوليفيا، يظل في مجمله قريبا من أحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية وتضييق مساحات التناقض بينه وبين واشنطن. ينسحب ذات الأمر على «الثورات البرتقالية» في العامين الماضيين وجميعها استبدلت نخبا سلطوية بأصدقاء للولايات المتحدة والغرب في آسيا الوسطى والقوقاز وأوكرانيا.

الحال إذن أن الآثار المحتملة للتحول الديمقراطي في العالم العربي تختلف جذرياً عما خبرته القوة العظمى منذ التسعينات، بل إن التعويل على نموذج التعامل الأمريكي مع حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، حين التدبر في تبعات صعود القوى الإسلامية في الانتخابات العربية، يجافي شروط المقارنة الموضوعية، نظراً للتفاوت البين بين علمانية الدولة في تركيا من جهة وتداخل مساحات السياسي والديني في معظم الحالات العربية من جهة أخرى.

مخاوف واشنطن وحيرتها مشروعة، إلا أن الاستنجاد الأحادي بتيارات ليبرالية ضعيفة مفتقدة للقواعد الشعبية أو الاستمرار في دعم نظم سلطوية غير راغبة في التغيير الفعلي لن يعينها في هذا الصدد كثيراً. الأرجح للمصالح الأمريكية، إن صدق الاهتمام بالتحول الديمقراطي، هو إعادة تقييم التوجه نحو الإسلاميين والانفتاح المشروط عليهم، بصورة قد تدفع قواهم إلى مزيد من الاعتدال والبراجماتية. لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها من الليبراليين العرب أو إضفاء هالة من المثالية على قوى إسلامية يرد على فكرها وممارستها من المحاذير العديد، فقط البحث عن نقطة توازن واقعية جديدة في الإستراتيجية الأمريكية لنشر الديمقراطية عربياً بدونها تغيب الفعالية والمصداقية.