رغم المضايقات العديدة التي تمارس ضد حركة ’’حماس’’ الفلسطينية، والاعتقالات الكثيرة التي يتعرض لها مرشحوها، يتوقع المراقبون مع ذلك أن تبلي ’’حماس’’ بلاء حسنا في الانتخابات التشريعية التي ستعقد يوم الخميس المقبل للفوز بحصة معتبرة من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني البالغ عددها مئة واثنين وثلاثين مقعدا• وإذا كانت المؤشرات جميعها تومئ إلى صعود شعبية ’’حماس’’ في أوساط الناخبين الفلسطينيين، إلا أنه لا أحد يستطيع الجزم تحديدا بعدد المقاعد التي ستقطفها ’’حماس’’ في الانتخابات المقبلة بسبب تردد فئة واسعة من الشعب الفلسطيني ما زالت لم تقرر بعد لصالح من ستدلي بصوتها• وهي الفئة التي تقدر نسبتها بحوالى خمس العدد الإجمالي من الناخبين الفلسطينيين المسجلين في القوائم الانتخابية والبالغ عددهم 1,3 مليون ناخب، وذلك حسب التقديرات الأخيرة التي خلص إليها استطلاع رأي أجري مؤخرا بهذا الشأن• لكن حتى بوجود تلك الشريحة المترددة، لا أحد يستطيع أن ينفي الشعبية الواضحة التي باتت تتمتع بها ’’حماس’’ لدى الشارع الفلسطيني، حيث أكد استطلاع آخر للرأي أجرته جامعة بير زيت في الرابع عشر من شهر يناير الجاري وشمل 1500 فلسطيني في الضفة الغربية أن 35% من المستجوبين يؤيدون ’’فتح’’، في حين تحظى ’’حماس’’ بتأييد 30% من المستجوبين، وتبقى فئة مترددة تصل نسبتها إلى 21% تتوزع على الأحزاب الصغيرة• وتؤكد المؤشرات جميعها أن ’’حماس’’ أصبحت قوة صاعدة في الحياة السياسية الفلسطينية، حيث ارتفع في الأشهر الأربعة الأخيرة حجم التأييد الذي حظيت به إلى 7 نقاط، في حين تراجعت شعبية حركة ’’فتح’’ بعشر نقاط• ويبدو أن هناك ثلاثة عوامل رئيسية تساهم في تفسير ظاهرة صعود ’’حماس’’ وتنامي شعبيتها• يرجع العامل الأول إلى سمعة الشرف والانضباط اللذين اكتسبتهما ’’حماس’’ طيلة الفترة السابقة خلافا لبعض رموز حركة ’’فتح’’ وباقي مؤسسات السلطة الفلسطينية التي تحوم حولها شبهة التورط في الفساد، فضلا عن تفشي الفوضى وعدم الانضباط• ويتمثل العامل الثاني في شبكة الخدمات الاجتماعية التي أنشأتها حركة ’’حماس’’ ولاقت استحسانا كبيرا من جانب الفلسطينيين الذين يصارعون قساوة الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي• وبالطبع يكمن العامل الثالث في تبنيها لخيار المقاومة ورفعها للسلاح في وجه الاحتلال الذي تنعته إسرائيل بـ’’الإرهاب’’• وعند النظر بعمق إلى شعبية ’’حماس’’ الكاسحة نلمس بوضوح الدور الكبير للمناخ السياسي السائد حيث أثبتت التجربة للشعب الفلسطيني أن الفائدة المنتظرة من المفاوضات مع إسرائيل طفيفة ولا ترقى إلى التطلعات المرجوة، وبأن الكفاح المسلح هو الوحيد القادر على جلاء الاحتلال من الأراضي الفلسطينية المحتلة• وقد جاء الانسحاب الإسرائيلي من غزة في السنة الماضية ليدعم هذا الموقف ويعلي من شأن المقاومة كخيار مطروح في التعاطي مع التعنت الإسرائيلي•

غير أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية تأتي هذه المرة على ضوء متغيرين اثنين من شأنهما في حالة التعاطي معها إيجابيا أن يفتحا آفاقا جديدة ويسهما في تعزيز المسار السياسي• أول المتغيرات وأكثرها أهمية هو اختفاء شارون عن المشهد السياسي في إسرائيل وتركه المجال مفتوحا أمام تصورات سياسية جديدة؛ وثاني المتغيرات الذي لا يقل أهمية عن الأول، خصوصا على المدى البعيد، يتمثل في انتقال حركة ’’حماس’’ نحو مزيد من البراجماتية والاعتدال• لقد عرف عن شارون حتى وقت قريب قبيل مرضه رفضه القاطع للتفاوض مع الفلسطينيين خشية أن تقود المفاوضات مع الفلسطينيين إلى اتفاق يقضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية، وهو حل كان شارون يريد أن يتفاداه بكل السبل• واستنادا على تلك المواقف انحصرت سياسة شارون على إضعاف المعتدلين من الفلسطينيين مثل محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية من خلال رفض التفاوض معه، ناهيك عن تقديم تنازلات إلى الفلسطينيين، حتى لو كان ذلك التعنت يعني دفع المزيد من الفلسطينيين باتجاه معسكر ’’حماس’’• وفي الواقع يبدو أن شارون كان يرحب، بل ويشجع صعود التطرف الفلسطيني ما دام ذلك يستبعد إجراء المفاوضات ويعرقل مواجهة القضايا الخلافية المتعلقة بمستقبل المستوطنات في الضفة الغربية وتقسيم القدس، ثم مصير اللاجئين الفلسطينيين•

وفي ظل التطورات الجديدة على الساحة السياسية، خصوصا غياب شارون وتواريه عن الساحة برزت فرصة سانحة أمام إسرائيل تحت قيادة أكثر واقعية من أجل مواجهة القضايا الحقيقية التي ما برحت تسمم علاقاتها مع الفلسطينيين، وجيرانها العرب• ومن جانبها شهدت حركة ’’حماس’’ تطورا سياسيا لافتا نحو المشاركة السياسية بعدما فرضت نفسها لأول مرة كقوة سياسية معتبرة تتطلع لدخول المجلس التشريعي الفلسطيني، وربما الرهان على المشاركة في الحكومة الفلسطينية• بالإضافة إلى ذلك أدلى قادة ’’حماس’’ بتصريح مؤخرا عبروا فيه بوضوح عن استعدادهم للتوصل إلى هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل تقوم على انسحاب هذه الأخيرة إلى حدود •1967 والأكثر من ذلك لم تستبعد ’’حماس’’ إمكانية التفاوض مع إسرائيل أو تعديل ميثاقها الذي مازال يدعو إلى القضاء على الدولة العبرية• بيد أن التطور الذي طرأ على مسار حركة ’’حماس’’ يشكل معضلة حقيقية بالنسبة للمجتمع الدولي وإسرائيل على حد سواء• فقد أدت الضغوط المتزايدة لإسرائيل على الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى إدراج ’’حماس’’ على قائمة المنظمات الإرهابية التي يحظر التعامل معها سياسيا• لكن ماذا لو دخلت ’’حماس’’ إلى الحكومة الفلسطينية وأصبحت تشكل جزءا رئيسيا في السلطة التنفيذية؟ هل سيستمر الحظر على ’’حماس’’؟ وهل ستتوقف المساعدات عن التدفق إلى السلطة الفلسطينية التي تعاني سلفا من الإفلاس؟ وفي هذا السياق أعلن ميجيل موراتينوس وزير الخارجية الإسباني، والمبعوث الأوروبي السابق إلى منطقة الشرق الأوسط، خلال زيارة قام بها إلى رام الله في 16 من شهر يناير الجاري أنه على الاتحاد الأوروبي أن يراجع سياسته في حال تحقيق ’’حماس’’ لنتائج جيدة في الانتخابات المقبلة، وهو ما يعبر عن صوت العقل في الاتحاد الأوروبي• ولا يخفى أن ’’حماس’’ أصبحت لاعبا أساسيا على المسرح السياسي الفلسطيني، حيث باتت تسيطر على العديد من البلديات، وهو ما يفرض الحاجة إلى إدماجها في الحياة السياسية عل ذلك يسهم في إقناعها بالتخلي عن المقاومة المسلحة• لذا ستشكل انتخابات يوم الخميس المقبل محكا أساسيا للجميع• فإذا استطاعت ’’حماس’’ أن تحصد العديد من المقاعد كما هو متوقع فإنها ستكون مطالبة بإظهار النضج السياسي وقدر عالٍ من الشعور بالمسؤولية، حيث يتوجب عليها تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، والنظر بجدية في إمكانية دمج جناحها العسكري في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية• وفي المقابل ستكون إسرائيل مطالبة بالتخلي عن سياسة الاغتيالات وتدمير المنازل، وإنزال العقوبات الجماعية بالفلسطينيين، كما يتعين عليها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والقطع مع كافة الممارسات السابقة التي لا تخدم السلام في المنطقة•

ومن جانبه يتعين على المجتمع الدولي، خصوصا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يعي جيدا أن ’’حماس’’ أضحت جزءا أساسيا من الإجماع الوطني الفلسطيني، ما يفرض على تلك القوى المسارعة إلى الاعتراف بحركة ’’حماس’’ والتعامل معها في أفق التوصل إلى حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي الذي دام قرنا من الزمن•