نضال الخضري

لماذا لم تظهر فجأة من صورة الزنزانة التي غلفتك سريعا، لكنها أحرقتني في ملامح البقاء الذي أستلهمه يوميا كي أتابع نهاري. لأنك الصورة التي شاهدتها مرة بعد غياب طويل ممزوجة بالخبرة في معانقة الجسد ... جسد الأرض .. الوطن .. أو حتى الكتابة التي رافقتنا منذ الأبجدية الأولى. فعندما يذكرني مروان البرغوثي بنفسي أعود لصور الذكورة الباقية في مخيلتي .. لأنني أكره رائحة البطولة في بني عبس .. أكره اصفرار التاريخ ونحن نبتلعه كل صباح، بينما نراك بيننا رغم الاعتقال أو السجن أو حتى البطولة العفنة في السيارات المفخخة.

ولا أحد يستطيع ان ينكر الصورة التي أرسمها، فهي لا تنتمي للخبرة لكنها من ذاكرة تمتد على مساحة العقل، ثم تخلق أمام العيون لونا باهتا يستوحي موته من خبر يتكرر كل صباح ومساء .. فإذا استوقفتني العناوين فلأنني أغرق دائما في جغرافية الجسد والأرض والمجتمع، وأبحث داخل التفاصيل عن الخيال الذي يشكل الجميع ويكتبني ظلالا لتاريخ لا ينسى. فما تعنيه المجزرة في العراق لا يستوقفني إلا لأنني أتذكر الحجاج هولاكو والزرقاوي وبالتأكيد رامسفيلد. واتذكر ان خلف السجون تقبع آمال عريضة وحكايات لبشر منسيين وحالمين.

عندما أشاهد مروان البرغوثي فجأة في الفضائيات لا أشعر بالفرح والحزن ... لكن الأمل يجتاحني رغم عدم رغبتي في البقاء أسيرة الصور "الفضائية" ... فمن السجون الإسرائيلية إلى أبو غريب تنعدم المسافات وتبقى الملامح الغامضة لجغرافية الوطن ونحن نكتبه عبر تاريخ متباعد ومتقارب .. وربما لأنني أنثى يغتالني العشق النهائي لصور الحاضر بدلا من التراث والتاريخ .. لأنني أنثى أتقن البقاء، فأنا تعلمته على امتداد القرون في مقاومة السبي والتغريب والتهميش أو الدونية.

صورة مروان لا تختلف إلا عندما نشاهدها كإناث يعرفن تماما أن زرع الأمل هو في النهاية شأن افتقدناه لحظة انهيار الحقيقة .. لحظة انفصالنا عن أجسادنا كنوع بشري عليه خلق الحدود وتلقين التراث والحفاظ على نقاء أصول كي لا تختلط الأعراق ويضيع النسب. لكن نسبي اليوم هو في زمن لم يخلق ... زمن يأتي في كل لحظه وأعيشه دون ان اكون ناقصة عقل ودين.