قبل عقدين تقريبا كانت الذكرى تلوح في العقل فتشد الكثيرين في المغترب نحو الوطن؛ عبر لون كون شخصية هذه الذاكرة.

هذه التجربة عاشها ويعيشها حتى اليوم ملايين السوريين الذين وجدوا انفسهم ضمن ثقافة جديدة، ومجتمع وضعهم وسط نظام حضاري غير مألوف. واذكر أنني عندما كنت في لندن قرأت بالصدفة قصيدة نزار قباني "ثلاث رسائل إلى أمي". ورغم أنني أعرف هذه القصيدة من قبل لكن خيالي رسم صورة لدمشق أتمنى استرجاعها اليوم.

الذكرى بعد عودتي بيومين فقط إلى سورية تحولت إلى نزوة معرفة .. عندما جابهت الفارق الحضاري، أو لنقل التكوين الثقافي التراثي .. اجتاحتني رغبة للمعرفة وطرح الأسئلة مازالت مستمرة حتى هذه اللحظة .. أردت ان اعرف ما هو المعيار الذي يقوم به شرطي المرور على سبيل المثال في إيقاف السيارات .. ولماذا يصافحني عندما يوقفني في وقت من المفترض أن أكون مخالفا لقواعد المرور .. اجتاحتني رغبة لمعرفة شعور الاستباحة لأصحاب المحال التجارية، وخصوصا المكاتب العقارية، فيقومون بقلع أحجار الرصيف ووضع أحجار جديدة توافق أمزجتهم، ويصرون على استخدام الطرقات العامة كحرمات لهم يجلسون عليها، وينظفونها أربع مرات يوميا في وقت يتهدد دمشق كارثة بيئية نتيجة قلة المياه.

تلك الأسئلة كانت تتفاقم، وما زالت، وتتخذ مناح اخرى، فأستغرب كيف ينتهك خطيب المسجد حقي ويجبرني على الاستماع لمواعظه عن حقوق الله، في وقت لا أستطيع ان أقول لسائق بأنه انتهك حقي عندما توقف على ممر المشاة. ما هو المعيار الذي يستند إليه كل فرد في وضع ما يحق له وما يحق لغيره، ولماذا يصبح القانون حالة مشينة نمتنع عن اللجوء إليها لأن "الوجاهات" و "أكابر" الناس قادرين على حل كل المشاكل.

حتى الان ليس لدي أجوبة .. والموقف الوحيد هو الفوضى .. فهل هناك دهشة من خوف البعض بأن الديمقراطية يمكن ان تجلب الفوضى .. وهل هناك فوضى في المعايير الاجتماعية أكثر من تلك التي نحياها في تفاصيل حياتنا وثقافتنا .. هذه ليست دعوة للديمقراطية، لأن الديمقراطية تنمو على الثقافة المدنية وليس على بقايا المعارف والقناعات التراثية.