تتزايد الضغوط على سوريا التي تحتل إسرائيل قسما من أراضيها، لدفعها إلى ترسيم حدود مزارع شبعا. يشارك في هذه الضغوط إلى جانب الولايات المتحدة، بعض العرب واللبنانيين. وإذا كنا نعرف أسباب ودوافع الموقف الأمريكي، ونفسر مواقف بعض اللبنانيين على أنها ردود فعل على بعض التصرفات والسياسات، فإن ما لا نفهمه ونتفهمه هو موقف أولئك العرب واللبنانيين، ومشاركتهم في هذه الضغوط.

من المعروف أنه لم يتبق من الأراضي العربية المحتلة خارج فلسطين، سوى هضبة الجولان السورية، ومزارع شبعا اللبنانية، بعد أن وقعت مصر والأردن معاهدتي سلام مع إسرائيل، وطبّعتا العلاقات معها، وأصبحتا عمليا خارج المعادلة.

أما قادة السلطة الفلسطينية فقد اختاروا دخول المفاوضات مع إسرائيل في الخفاء منفردين، وما دار في خلدهم أن هذا سيضعف موقفهم، ويسحب أوراقهم، ويجعل إسرائيل تنفرد بهم.

وقد ظنوا فخابت ظنونهم أن فصل أراضيهم عن الأراضي السورية المحتلة سيمنحهم حرية وقدرة على الحركة أكثر، ويختصر زمن المفاوضات، ويسرّعها. هذه الأراضي التي ما كانت لتحتل لو لم تكن عمقا لهم، ولولا وقوف أصحابها إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين، ودعمهم ومساندتهم في سعيهم لتحرير أراضيهم، ونيل حقوقهم. لم تقدم دولة عربية منذ النكبة كما قدمت سوريا- لا منا بل محبة وواجبا- للفلسطينيين. ولم يبذل شعب عربي من دمه وعرقه ولقمة عيشه ومستقبله. كما بذل الشعب السوري من أجل فلسطين. ولم يُحسن بلد عربي معاملة الفلسطينيين، كما أحسنت سوريا معاملتهم، والتي ما ميّزت يوما بين مواطنيها وبينهم في كل مناحي الحياة، وشتى المجالات، فكانوا مواطنين سوريين، لا لاجئين. بل كانوا مواطنين مميزين، لم تنتصب قامات فصائلهم ويشتد عودها، ويتثبت وجودها لو لم تستنشق النسيم السوري، ولولا الضوء والماء والتراب السوري، والعمق الوطني الشعبي السوري.

إن المطالبة بترسيم حدود مزارع شبعا، على أمل، أو بقصد انسحاب إسرائيل منها، تمهيدا لنزع سلاح حزب الله، الذي يشكل لإسرائيل وجعا وجرحا مفتوحا، ويعزز موقف سوريا ويدعمها، ويبقي قضيتها ساخنة متحركة حتى تسترد أراضيها، إن هذه المطالبة تعني أول ما تعني فك الارتباط بين الأراضي العربية المحتلة، وإبقاء سوريا وحيدة في الميدان، محصورة في زاوية، تضعف موقفها، وتغري أمريكا بابتزازها، وتمنح إسرائيل فرصة الاستفراد بها في أية مفاوضات محتملة مقبلة لاسترجاع أراضيها.

فشبعا التي لا تعني لإسرائيل شيئا، سيخفف انسحابها منها الضغوط الدولية والعربية عليها، ويزيد أطماعها في الجولان، ويقوي أملها في الاحتفاظ به، أو اقتطاع أكبر قسم منه.

قد يكون مفهوما تخوف بعض الطوائف اللبنانية من سلاح حزب الله. لكن المشاكل بين اللبنانيين، ومخاوفهم المتبادلة، وتطلعاتهم المتخالفة، قديمة عديدة عويصة، بسبب اختلاف توجهاتهم، وتعدد مرجعياتهم، ومصالح هذه المرجعيات المتناقضة. وما يلفت النظر، أن شبعا لم تكن يوما من الأيام في قائمة هذه المشاكل، وحل هذه المعضلة لن ينهي تلك الخلافات.

إن تصدر شبعا قائمة الأولويات لدى بعض اللبنانيين الآن، والضغوطات والمطالبات بترسيم حدودها، منزلق خطر يجب ألا يغيب عن أذهان العرب عامة، واللبنانيين خاصة، لأنه يمكّن إسرائيل من الاستفراد بسوريا، ويضر بمصالحها، وينعكس سلبا عليها، أرضا وشعبا وحاضرا ومستقبلا، وعلى العلاقات بين الأشقاء، والأسر السورية اللبنانية.

إن أي مراقب منصف لا يمكنه أن يلوم سوريا على موقفها، ولا يمكنه إلا أن يقر لها بحقها في حماية مصالحها، واسترجاع أرضها.