لم يعد مؤسس "التيار الوطني الحر" وزعيمه العماد ميشال عون في حاجة الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة كي يثبت للبنانيين وخصوصا "الشكاكين" صحة الحجم الكبير لقوته الشعبية الانتخابية. ذلك ان وفاة نائب عاليه – المتن الجنوبي (بعبدا) الدكتور ادمون نعيم صباح امس لا بد ان توفر له الفرصة لاثبات ما يريد اثباته من خلال الانتخابات الفرعية التي يفترض ان تجرى بعد اسابيع لملء المقعد الذي شغر بهذه الوفاة.

ولم يعد الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في حاجة الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة كي يثبت للزعيم الدرزي الابرز رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ان نجاحه في انتخابات عاليه – المتن الجنوبي (بعبدا) العام الماضي وتاليا "انتفاخ" حجمه التمثيلي في مجلس النواب ما كان ليتحقق لولا الناخبين الشيعة في الدائرة المذكورة المنتمين باكثريتهم الساحقة ربما الى الحزب الذي يتزعم والى حليفه البارز حركة "امل" وزعيمها الرئيس نبيه بري. فوفاة النائب ادمون نعيم قدمت الى الفريقين الشيعيين وخصوصا "حزب الله" وزعيمه نصرالله الفرصة لحسم الصراع السياسي او بالاحرى الاشتباك السياسي الدائر مع الزعيم الجنبلاطي وحلفائه او محاولة حسمه بطريقة تدفعهم الى اعادة النظر في حساباتهم واعادة تقويم قوتهم وتاليا التخلي عن الواقع الذي تجاهلوه طويلا والذي يشير الى ان قوة الثنائي الشيعي "حزب الله" و"امل" كبيرة وصعبة على التجاهل وعلى الاختراق وعلى العزل وخصوصا اذا انضمت اليها "قوة التيار الوطني الحر" في اختبار القوة الحقيقي الذي قد تشهده تلك الدائرة الانتخابية في الجبل.

هل يمكن تلافي معركة طاحنة في دائرة عاليه – بعبدا؟

لا شك في ان جهات كثيرة محلية ستحاول الدفع في اتجاه التوافق على مرشح تسوية يجنب لبنان معركة "كسر عظم" في هذه المرحلة الصعبة من تاريخه مدفوعة ليس برغبتها في وقف الاشتباك الدائر بين الاطراف المذكورين اعلاه ربما بسبب عجزها عن ذلك، بل بحرصها على ابقاء هذا الاشتباك وان متصاعدا في اطار قابل للضبط وعلى تلافي تحوله اصطفافا طائفياً ومذهبياً خطرا وربما لاحقا انفجارا لا يمكن التكهن بنتائجه. ولا شك في ان جهات عربية ودولية قد تقدم على محاولة مماثلة اما للاسباب نفسها او لاسباب اخرى. لكن نجاح هذا النوع من المحاولات محفوف بصعوبات كثيرة وعقبات متنوعة بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي وتحديدا اقليمي. فعلى الصعيد الداخلي لا يمكن تجاهل بلوغ الاشتباك – الصراع العلني بين الزعيم الجنبلاطي و"حزب الله" مرحلة اللاعودة وخصوصا بعد التحديات الكثيرة المتبادلة بينهما. ولا يمكن ايضا تجاهل بلوغ الاشتباك - الصراع الضمني – العلني بين "التيار الوطني الحر" من جهة والمنتمين الى الاكثرية النيابية من مسيحيين ومسلمين مرحلة متقدمة رغم الحرص المتبادل للفريقين على عدم بلوغ مرحلة اللاعودة. ولا يمكن ثالثا تجاهل حقيقة تزعج الاكثرية النيابية والحكومة بكل مكوناتها من الود المتنامي بين الثنائي الشيعي بقيادة "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" بزعامة ميشال عون والذي يفترض ان يؤدي في وقت قريب ولاسباب مختلفة عند كل فريق الى تحالف يظن اصحابه انه قادر على اعادة خلط الاوراق السياسية في البلاد واحداث واقع سياسي جديد قد يتبلور في انتخابات نيابية عامة. اما على الصعيد الخارجي وتحديدا الاقليمي فلا شك في ان الحلفاء الاقليميين لثنائي "امل" – "حزب الله" ولاحزاب وشخصيات عاشت عزّاً سياسيا كبيرا يوم كان هؤلاء الحلفاء مقررين اوحدين في لبنان سيدفعون في اتجاه معركة حامية الوطيس في دائرة عاليه – بعبدا وسيقدمون كل ما في وسعهم لانجاحها. ذلك انهم يخوضون بدورهم معركة تصفية حسابات مع الغالبية النيابية الحكومية وخصوصا مع رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة وتيار "المستقبل" بزعامة النائب سعد الحريري. ويعني ذلك ان فريق "الاقلية النيابية" الذي يمثله عون والذي صار قريبا من الانضمام اليه قسم من الغالبية النيابية والحكومية يمثله الثنائي الشيعي وفريق حلفاء الاثنين الذين خسروا انتخابات الدائرة المذكورة قبل اكثر من ستة اشهر سيفعلون كل ما في وسعهم، البعض منه لرد الاعتبار والتخلص من "الخسوف" السياسي والشعبي الذي عاش في ظله منذ نحو عام. والبعض الاخر لافهام "الشركاء" الاخرين في البلاد انهم لن يتمكنوا من ادارتها بل من حكمها من دونهم. والبعض الاخير لافهام كل اللبنانيين على تنوع انتماءاتهم ان استقرار بلادهم سيبقى مرتبطا بسوريا واستطرادا بايران بعدما صارت لاعبا اساسيا وربما أول في هذه البلاد.

هل التوافق في عاليه – بعبدا افضل ام المعركة؟

التوافق لا بأس به في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ لبنان، لكن المعركة الانتخابية تبقى جزءاً من الممارسة الديموقراطية التي على اللبنانيين تقبل نتائجها وان كانت مزعجة للبعض منهم. لكن ما يجب تلافيه في هذه المعركة هو عدم تحولها اداة في المواجهة الدائرة بين محور دمشق – طهران القائم منذ سنوات طويلة والذي كرسته قمة الاسد – احمدي نجاد الاسبوع الماضي والولايات المتحدة. وذلك لا يتوقف على حلفاء دمشق وطهران في لبنان بل على القيادة السورية – الايرانية التي تعرف او يفترض ان تعرف ان "غطسهم" في هذه المعركة يمكن ان يفجر لبنان. وما يجب تلافيه ايضا هو الوصول الى نوع من التحالف الثنائي بين فريقين مسلم ومسيحي يسعى اليه كثيرون من داخل ومن خارج اعتقادا منهم انه يمكن ان يمسك بلبنان بدعم من خارج اقليمي معين. فهذا النوع من التحالفات اثبت فشله في الماضي وسيثبت فشله مستقبلا. وكان واضحا السيد حسن نصرالله في رفضه اي صيغة فئوية قبل نحو اسبوع. إلا أن المطلوب هو الانتقال من الرفض العلني والرسمي الى ممارسة هذا الرفض. علما ان ذلك لا يعني عدم حصول تحالفات انتخابية او سياسية تعبر الطوائف والمذاهب.