ليس ثمة مدخل واحد للاستبداد، فهو ظاهرة اجتماعية ـ سياسية مركّبة، يُعدّ أخذه في بعد واحد مجرد مغامرة تبسيطية لا تمتلك حظاً كبيراً من النجاح، فالاستبداد ثمرة العديد من العوامل المتداخلة التي يتضافر فيها الذاتي بالموضوعي والداخلي بالخارجي والاقتصادي بالثقافي، ويتمظهر بالنهاية في حالة الانفراد بإدارة شؤون المجتمع عن طريق الاستحواذ والاستيلاء والسيطرة، وان تُوخي الى ذلك المسوّغ القانوني، فالبعد القانوني لا يشكل ضمانة بذاته اذ قد يتوسل الحاكم بالقانون للانفراد بالسلطة مع استبعاد المنافسين من دائرة التنافس، والحكومة المستبدة هي التي لا تعبأ بالقيود وإنما تملك بنفوذها قوة "ابطال القيد كما تهوى"، على حد تعبير الكواكبي، ولا تخضع لعملية ضبط اخلاقي او رقابة دستورية، وانما تبني شرعيتها من الخوف وفق ما قاله مونتسكيو.

والاستبداد لا يتولّد من فراغ، فهو ليس حالة متأصلة يغذيها الميل الطبيعي، وانما هو طارئ وفق مبدأ أصالة الحرية لدى الانسان، غير ان الثقافة والعوامل التاريخية تلعب دورها في انتاج اشكال مختلفة من التسلط ومصادرة الارادات، فالثقافة الاسلامية التي راكمتها السلطة والنخب لم تولِ الحريات والحقوق والواجبات الاهتمام الذي تستحق، لقد استنزف الكلام عن علاقة العبد بربّه كل الجدل الكلامي على امتداد القرون المنصرمة ولم تصل النوبة للحديث عن علاقة العبد بأخيه في اطار الاجتماع السياسي، بعبارة أخرى حصر الكلاميون تنظيراتهم ورؤاهم في زاوية الامتداد العمودي ولم يولوا الشأن الدنيوي في العلاقات الأفقية إلا القليل من الكلام، ولذلك لا نعثر على تراكم يعتدُّ به في هذا الاطار. والملفت ان مفردة الحرية لم تنل حظاً من التكريم بل والاعتراف وحتى من الوجود ودليلنا على هذه القطيعة مع ما أضافه في بدايات القرن الماضي الطاهر بن عاشور على المقاصد الشاطبية الخمسة من مقصد سادس أطلق عليه الحرية وهو أجنبي عن دلالة الحريةالتي نقصدها هنا، وهو دليل اضافي على غربة هذه المفردة بالمعنى السياسي.

هذا الاستغراق في الزمن الذي طاول جُلّ التجربة التاريخية للمسلمين أوهم بعض الباحثين بوجود عطب في الثقافة العربية والاسلامية يعادي الديموقراطية ويأنف الحرية وبناء ارادة المشاركة في الحياة العامة، ليخلص الى أن الثقافة الغالبة في كل حنايا الاجتماع العربي على مستوى الحاكم والمحكوم هي ثقافة الاستبداد، "فأهل الحكم يحتكرون السلطة وأهل التطرف يحتكرون الحقيقة". غير ان المعارضين لهذه الرؤية البنيوية، لا يُسلّمون بوجود قَدَر ولد في رحم التاريخ يمكنه القبض على عنق الحاضر وتلابيب المستقبل، فالاستبداد في التاريخ هو سمة عامة تكاد لا تفلت منها أمة، فهو تعبير عن مستوى ما من التجربة البشرية والخبرة الانسانية نجح بعضهم في تجاوز مفاعيلها فيما أعاقت مؤثرات خارجية عديدة بعض الآخر من اجراء عملية تنقية ذاتية وتطهّر تدريجي لمخلفات الممارسة الظالمة.

ويذهب هذا الرأي الى أن الاستبداد الحداثي الذي تشكل في فوهة بندقية التوسع الغربي غذّى العطب الموروث فينا، فأنعشه وأيقظ فيه الخطاب والمسوّغ وتأويلات المقدّس وما الى ذلك من عناصر كانت تحمي الاستبداد وتغذيه. وقد نجحت الدولة الوطنية الناشئة بعد الاستقلال في التزوّد بكل عناصر الحماية والتحصين التي تُسيّج بها حدود سلطتها فعزّزت مؤسسات "الجيش والبوليس" على حساب باقي الادارات والأجهزة، فتكونت صورتها التي لا تزال تظهر فيها الى اليوم وهي صورة الدولة القمعية التي تستخدم العنف المنظم في ادارة الشأن السياسي، وكانت النتيجة ان الدولة نجحت حيث لا ينبغي لها ان تفاخر به وأخفقت فيما يحتاجه السياق التطوري المطلوب حضارياً وشعبياً.

من هنا نفهم ان "السلطة" في الواقع العربي هي ظاهرة معقّدة وتنطوي على تناقضات يحتاج فهمها الى تفكيك الترابطات بين الميراث التاريخي والتدخلات المصلحية والنفوذية والجوانب النفسية او المرضية التي أثمرت في مجموعها ظاهرة ينفرد بها العرب والمسلمون وهي ظاهرة التماهي بين الزعيم والحاكم والدولة والشعب والوطن. لا يعني هذا التماهي، انه لم تكن هناك حالات كسر لهذا التلاحم المحكم، فقد نشطت وما تزال قوى وفعاليات آلت على نفسها الأخذ بأسباب التغيير عبر النقد والاصلاح الا انها كانت تجبه في كل مرة بالعنف المنظم الذي يصل الى حدود تهديد السلم الأهلي والاحتراب الداخلي.

وتكاد تجارب العقود الخمسة الماضية تستنزف مختلف البدائل العملية لإحداث تغيير يقلب صورة الواقع المأزوم، وهو ما أوحى للكثيرين ممن وطّنوا أنفسهم للتغيير بأن الاصلاح يكاد يكون ميؤساً منه بالأدوات الداخلية المتواضعة والمحدودة بعد جملة الاخفاقات، فرنوا ببصرهم الى الخارج علّه يسهم، بما لديه من نفوذ وقدرة، في تحقيق ما عجز عنه الكثيرون في الداخل. غير أن هذا، اذا ما نجح، لن يكون بالمجان ودون أثمان باهظة يدفعها الوطن بكليته، وهو ما دفع معظم رواد التغيير المعاصرين الى الانكفاء والتردد كي لا يهربوا الى الأمام، فيما قلة من هؤلاء، لا تتفق مع المنكفئين، وترى في استعداد الخارج للتدخل فرصته التاريخية التي قد لا تتكرر، وخصوصاً عند غياب كل البدائل الأخرى المشروعة التي تم استنزافها في المرحلة السابقة، الطويلة نسبياً.

أمام هذا المشهد المعقد، يبقى العالم العربي في حالة ترقب لما ستؤول إليه الأمور، وهو مفتوح على احتمالات كثيرة داخلية وخارجية ورهانات يصعب حصرها، ولعل أخطرها الظاهرة العنفية التي بدأت تنتجها حالات الاختناق الداخلي والتي تطرّفت في تعبيراتها الى حدود لا سابق لها في التاريخ الاسلامي والعربي في مختلف مراحله، فهل ثمة مخرج للاستبداد تكون فيه الأثمان معقولة ومن النوع الذي يمكن احتماله؟ هذا ما ستنبئ به الأيام فلنرتقب.