نــزار صبــاغ

يروى – والعهدة على ذمة الراوي – أن الرئيس الراحل "شكري القوتلي" قد أبلغ الرئيس الراحل"جمال عبد الناصر" ، بأن الشعب السوري جميعهم ... زعماء .

قد يكون جانب الصواب ، أو أصاب ، نظراً لمعرفته بواقع الحياة والطبيعة القيادية والذهنية الفردية "للشوام" عموماً وكيفية اهتمامهم بالسياسة ، من واقع تجربته في ذاك الوقت ... أما الآن ، فقد يكون بعضاً من الوضع السابق قد تغيّر وإن بشكل جزئي نظراً لحصول الكثير من المتبدلات الجيوسياسية والديموغرافية والمفاهيم الثقافية وطبيعة صراعات المصالح السياسية والاقتصادية – وتحالفاتها وتجاذباتها - ، ثم إدارتها أو توجيهها أو التأثير عليها .. الموضوع الذي تنوعت الأقلام التي بحثت به وبأسبابه وتحليله ... وعرض نتائجه ....

رغم ذلك ، تبقى المشكلة في انجذاب الكثير وعدم تمكنهم من الابتعاد عن الخوض في الشؤون السياسية ومتابعة أمور الشأن العام ، نقداً أو رأياً أو حتى من باب العلم بالشيء ... وبخاصة في ظل المتغيرات والمستجدات المتتابعة عالمياً وعربياً وإقليمياً وداخلياً ، نظراً لارتباطها بشكل أم بآخر – شئنا أم أبينا - أو لتأثيرها منفردة أو مجتمعة على غيرها وفقاً لصراعات القوى والمصالح بتضاربها أو توافقها ، الأمر الذي يؤثر علينا كأناس أو كبشر أو كمجموع أو كرعية أو كقطيع ... أو كمواطنين ... مهما كانت التسمية .

تشترك سوريا واقعياً مع منظومة الدول العربية كما هو الحال في منظومة العالم الثالث ، بغياب كبير لوجودٍ حقيقي للمؤسسات وللمجتمع المدني كمنظومتين فاعلتين في الحقل العام مراقبةً وإشرافاً وتأثيراً ثقافياً وحتى إدارياً ، من جانب .. كما تشترك في وجود ما يسمى ب " الحرس" من جانب آخر .... وهو اسم يطلق – كما هو معروف - على مجموع الشبكة الاستشارية التخطيطية والتنفيذية لشؤون السياستين الداخلية والخارجية بمشتملاتهما كافة ، ويمكن تقسيمه إلى مجوعتين ، قديم وجديد ...

لا نستطيع عملياً بالطبع ، اعتماد أسس عمرية أو جسمية في الفصل بين المجموعتين ، ما يمكننا اعتماده برأيي هو المعايير الثقافية كافة والنظرة الإستراتيجية والكيفية الإدارية عامة ، مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق بين المجموعتين في النظرة العامة والإحساس والاقتناع بأن سوريا بحاجة إلى علاقات أفضل مع التكتلات العالمية الجديدة حسب الواقع العالمي الجديد إضافة إلى التخطيط والتنفيذ الجاد الحقيقي لعمليات الإصلاح الداخلية وإن بالتدريج ، ومع الإدراك بأن مكانة سوريا الإستراتيجية قد تبدلت بشكل كبير منذ انهيار وتفكك منظومة الكتلة الاشتراكية وأنه يتوجب تكييف الاستراتيجيات بحيث تتلاءم مع المكانة التي يتوجب أن تكون عليها سوريا ، وفقاً لمصالحها الآنية والمستقبلية .... هذا دون إغفال عامل التكيّف وفقاً لضرورات وتبدلات المصالح عالمياً أم إقليمياً – سواء فيما يتعلق بالنظرة الاستراتيجية العامة أو بالجوانب الشخصية ، توافقاً مع عناصر الضغط العالمية وصراع المصالح والنفوذ بين الفئات والأجنحة المختلفة داخلياً وإقليمياً - ، هذا العامل الذي يشكل بطريقة أو بأخرى جانباً كبيراً من الخطورة ، -كما رأينا في نهاية العام الماضي- .

وبالطبع فإن هذا لا يعني ضمن المفهوم الاستراتيجي ، التخلي أو تجاوز أو إغفال شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية العالمية أو الإقليمية المنسوجة سابقاً ، ذلك لأنها واقعياً ، بعضاً من عناصر القوة لنا ... كما هي لغيرنا .

لقد تغير العالم كثيراً بشكل فعلي وبوتيرة متصاعدة بدأت منذ أكثر من عقد وصولاً إلى ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 ونتائجه ، وقد أثر هذا التغيير – ولا يزال – على سوريا وعلى إستراتيجيتها ودورها ... ومن عناصر هذا التغيير العالمي ما يطلق عليه النظام العالمي الجديد ومشروع الشرق الوسط الكبير(أو الجديد) الذي تم البدء بالتطبيق العملي له منذ تسعينات القرن الماضي الأمر الذي نلاحظه بوضوح من خلال مجريات الأحداث من قبل العديد من القوى اللاعبة على مسرح "بلدان الشرق الأوسط".

يمتلك اللاعبون في هذا المسرح أوراق للعب مختلفة ومتعددة ، كل حسب مقتضيات ومصلحة نظرته الإستراتيجية وخططه السياسية بما يوافق مصلحة المشروع الذي يحمل أو يمثل . لا يخرج هذا الأمر عما حصل ويحصل في العالم ، فبالعودة إلى مجريات التاريخ نستطيع التأكيد بأن المصالح المتوافقة مع توفر عناصر القوة اللازمة لتحقيقها – حسب مرور الزمن – كانت هي السبب الأساس في نشوء الدول والممالك والإمبراطوريات في كل مكان من العالم ، أو اضمحلالها ... ونستطيع التأكيد أيضاً بأن الواقع الحقيقي لتاريخها - بما فيها العربية – لم يكن سوى مجموعة من تواريخ مصالح أسرية عشائرية بتسمياتها المختلفة وبما حملته من مفاهيم ثقافية واجتماعية . وقد تغير الأمر بعد التطورات الصناعية والاقتصادية والعسكرية والحروب العالمية وتثبيت هيمنة رأس المال وظهور المنظومات والتحالفات السياسية وصلاً إلى انهيار بعضها وفوز بعضها وتغيير نهج البعض الآخر توافقاً مع التطورات السياسية أو التكنولوجية أو الإعلامية أو المفاهيم الثقافية والاجتماعية .

لا يمكن في هذه العجالة تجاوز التأكيد على التناغم التام في المصالح العالمية والإقليمية وإن نسبياً ، وعلى أن الاستراتيجيات المتعلقة بأسلوب وكيفية العمل لتحقيقها تؤثر ببعضها البعض بطريقة أو بأخرى ، لذلك كان الدور الحساس لمراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية ومراكز جمع وتحليل المعلومات ومكاتب الأمن القومي ، لتحقيق السيطرة في حال حصول أي طارئ أو لتوجيه ما قد يساهم في تطبيق الاستراتيجيات التكتيكية أو لاحتواء أية نتائج يمكن لها أن تؤثر أو تفرض أي تهديد جدّي قد يتسبب بحالة من التغيير في ميزان المصالح أو إعادة لخلط الأوراق أو لمحاولة تحكم جديدة ب"أوراق اللعب" .

في "مسرح بلدان الشرق الأوسط" نجد حالة من التطبيق الحقيقي للموضوع والزجّ بأوراق لعب مختلفة ، إعلامية واقتصادية وعرقية ومذهبية إضافة إلى الاقتصادية والسياسية وحتى القانونية .... كما حصل ويحصل في مجريات الأحداث الداخلية والخارجية ضمن العديد من القوى اللاعبة على هذا المسرح ، وجميعه يؤثر علينا كسوريين ، بأشكال مختلفة .... لا نقبل بأن نكون مجرد أوراق للعب ، بل أن نكون لاعبين أساسيين نتمكن من فرض مصلحتنا وحقوقنا ووجودنا في هذا العالم، كما لا نقبل الازدياد في الشحن وتحكم الاصطفافات الطائفية والمذهبية في لبنان وإضافة العرقية إليها في العراق ، والمحاولات الرامية إلى إسقاطها جميعاً على "الشام" .

إننا كسوريين نملك الكثير من عناصر القوة التي نستطيع من خلالها الوصول إلى ما نصبوا إليه رغم العديد من المستجدات والتداخلات ، واللاعب الجيد هو من يلعب بهدوء وروية مع إعادة ترتيب أوراقه بالتنسيق مع عناصر القوة التي تسانده . لا نملك بالطبع كمّ المعلومات المتوفرة لدى "القيادات العليا" أو لدى "الحرس" لكننا ومن خلال التقاطعات ، نستطيع التأكد من صدق تكهناتنا إن وضعنا أنفسنا في موضع المراقب المتابع ، كما نستطيع توقع البعض منها .. لكن ما يهم المجموع بشكل أكبر هو الوضع الداخلي ، بكل ما فيه ..

أكرر ما كنت أوردته ضمن مقال سابق لي ، من انه لا يمكن للمراقب المتابع إغفال أو تجاوز ما تحقق من تغيير داخلي ومن صراع للقوى ، منذ بداية القرن الحالي . فمن الواضح جداً ماهية الخطة الإصلاحية الداخلية المعتمدة ، الإصلاح التدريجي في كل الأوجه ، الاقتصادية والإدارية والهيكلية والسياسية والقانونية والتعليمية .. وصولاً إلى الاجتماعية ، مترافقاً مع إحلال مفهوم ثقافي جديد ومتطور ومرن يعتمد أساساً على تعميق مفهوم المؤسسات وتعميق الروح الوطنية . هذا النوع من الإصلاح وفي ظل التراكمات والثقافة السائدة وتكتلات المصالح الداخلية الموجودة والتي كانت منذ عقود يحتاج إلى زمن قد يستغرق سنوات إلى أكثر من عقد من السنين ، مع تضافر جهود القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمؤمنة بحقيقة وحتمية الوطن والمواطنة .

وقد ذكرت أيضاً بأننا كنا نتساءل والكثيرون ، على ضوء المستجدات الداخلية والإقليمية والعالمية وصراع المصالح والنفوذ بين الفئات والأجنحة المختلفة داخلياً وإقليمياً ، إن كان فريق العمل الإصلاحي يملك المنعة والصلابة والوقت ، وبخاصة في ضوء الفساد الذي بدأ من عقود والمستشري في مرافق وهيكليات ومؤسسات الدولة ، ذلك لأن صراع المصالح يفرض نفسه ، فقد يتصرف الكثير من المستفيدين من الثقافة المتحكمة - وبخاصة من هم في بعض مراكز القرار وحتى المؤثرين فيه – بطريقة تولد مقاومة إضافية بل وقد تتحول إلى تهديمية للخطط التنفيذية الإصلاحية توافقاً مع أية حالات من الضغوط التصاعدية من الخارج .

الموضوع الأساس باعتقادي يكمن في ذواتنا ، لأننا قادرين على استخدام عناصر القوة التي نمتلكها والتي يمكن لنا أن نساهم من خلالها في تحقيق وجودنا كلاعبين أساسيين ، وقد يكون من أهمها تحقيق مبدأ المشاركة الفاعلة من جميع القوى والمواطنين في التخطيط والنقاش ووضع الخطط والتنفيذ من خلال مؤسسات حقيقية حزبية كانت أم أهلية أم اختصاصية توافقا مع عملية الإصلاح السياسي ، كما البدء الجاد بإحلال مفهوم ثقافي جديد عوضاً عن ثقافة الوهم والقطيع ، لأن ما نحمله أو يحمله أغلبنا من مخزون ثقافي هو متجذّر حتى في اللاوعي الداخلي ، ذاك المخزون الذي يطفو إلى السطح كحقيقة مطلقة أو كخط دفاعي لا بديل عنه عند أية بداية لتفوق آخر على آخر وحتى إن محاورةً ، أو عند أي محاولة لإظهار حقيقة ما ، حتى وإن كانت مجرد "معلومة " أو مجرد رأي ...

ذاك المخزون الذي يجعل من الكثيرين "طائعين" و "مصفقين" و "هاتفين" و "منافقين" و"متكلين" ، حاجبي ومحجوبي العقول ، ملتزمين بالدين شكلاً دون مضمون ، منادين كلاماً بالعمل المؤسساتي الجماعي وهم بالفردية متشبثون ... ذاك المخزون الذي يتعلق بالممارسات سواء الدينية منها أو الحزبية أو السياسية لأنها هي تحديداً ما تسبب ردود الأفعال سواء أكانت محدودة عقلانية أو متشنجة عاطفية ، كما يمكن لها أن تتسبب بالصراعات والحروب وإسالة الدماء وحتى ما بين المنتمين إلى الأرض الواحدة ...

ذاك المخزون الذي يجعل من العديد من صغار المسؤولين عن تطبيق القانون يخرقونه لأجل مبلغ تافه ... فماذا عن الوطن ، وماذا عن الكبير ؟ ... ذاك المخزون الذي يجعل الكثيرين يخادعون في أقوالهم ، دراساتهم ، أعمالهم وتصرفاتهم ، ولاءاتهم و"غنائمهم" ... يخادعون في وطنيتهم وحقيقتهم وقوميتهم ، انتساباتهم وتحالفاتهم وتحليلاتهم ، مواقفهم واصطفافاتهم ... وحتى في حياتهم ، و"مقاومتهم" للفساد وهم فيه منغمسون ... ذاك المخزون الذي يفاجئنا عند قراءتنا لمواضيع فكرية أو ثقافية ظاهرياً ، وتحمل قدراً كبيراً من التشنج غير المنطقي دفاعاً عن "معتنق" أو "معتقد" ، أو هجوماً مضاداً في معركة وهمية صنعها خيال مريض .

ليس من الصحيح معالجة أعراض ونتائج المرض بل إن المطلوب هو معالجة المرض وأسبابه ، ومن هنا لا يمكن لأحد ، وبمفرده ، أن يضع الحلول والمناهج وفقاً لرؤيته الخاصة ومنطلقاً من منطلقات عاطفية بعيدة عن الواقع ..... أن نكون حضاريين فهذا يتطلب الصدق مع الذات ، والمعرفة الصادقة لوجودنا ومستقبلنا ورسم وتطبيق خطط الوصول إليه انطلاقاً من بناء النفس والذات أولاً على أسس حضارية ثابتة وقوية ... لا يتعلق الموضوع بالدولة أو ب "النظام" فقط بقدر علاقته بالمجموع وعموم المواطنين ، ذلك لأنه وكما أن الوطن للجميع فإن "دولة المؤسسات" لا يمكن لها إطلاقاً أن تنسجم مع "ثقافة القطيع"... ولأن "الديموقراطية" ثقافة ونتاج وممارسة وليست بصندوق الانتخاب ... ولأن الخسارة أو الربح الناجم عن اللعب في "مسرح بلدان الشرق الأوسط" .. يمسّ بالجميع ....