بير رستم

يورد لنا السيد هيثم سرية قصة الدعوة التي وجهت له لحضور مؤتمر للمعارضة السورية في بروكسل وكيف أنه في البداية لم يدقق في مسألة التمويل ومن ثم أوحي إليه، ولن نقول من جهات أمنية وبالتالي نخونه كما يحلو له بأن يخون الآخرين بالعمالة للغرب وأمريكا، ولا أدري ما الخطأ والجرم في أن تتعامل مع أمريكا التي تتقاطع مصالحها مع مصالح شعوب الشرق المستضعفة، أليس ذاك التعامل بأفضل من هذا التعامل من قبل بعض السياسيين والمثقفين مع هذه الأنظمة المستبدة وأجهزتها الأمنية القمعية، فقط لكون أن ذاك أجنبي وهذا "وطني" فأي استباحة لحقوق الناس وكرامتهم تحت يافطة الحفاظ على الوحدة الوطنية وأي وحدة هذه التي تقوم على التعسف والإكراه والحرمان وأي وطنية يا "سيدي" والمواطن السوري يعيش حالة إذلال ورعب من الأجهزة الأمنية الوطنية.

إنه يكتب بعد بضعة أسطر عن مسألة التمويل فيقول: "عندما تفكرت في الأمر عن تمويل هذا المؤتمر ومن يقف وراءه، ومن هم المدعوين، رأيت من الأفضل آن أبحث بهذا الأمر لأهميته. فالذي يقوم بالتمويل هو الذي سيملي في النهاية قواعد اللعبة". لقد ذكرني السيد هيثم بجلستنا في الجمعية العمومية للجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكيف تم تناول هذه المسألة من قبل المجتمعين وكيف انقسموا بين معارض بالمطلق لفكرة التمويل الخارجي ومن رأى بأنه لا ضير من مسألة التمويل الخارجي على شرط أن يكون من منظمات المجتمع المدني وليس من جهات حكومية غربية أو أمريكية. وهكذا تم الاتفاق على رفض التمويل الخارجي الحكومي حتى إن هي مولتنا لقناعتها ببرامجنا، مع العلم إن دولنا تبحث وتتسول على أبواب هذه الحكومات لكي تمول بعض مشاريعها الخاسرة دائماً ولا أحد يتهمها بالعمالة للغرب.

ومن هنا يبدأ رحلة البحث والمعاناة للسيد هيثم، " تابعت البحث عن الجواب"، إلى أن يصرخ "وجدتها.. وجدتها" وهكذا يكشف لنا عن عبقرية فذة، عندما يكتشف إن حزب الإصلاح بقيادة فريد الغادري، والذي لا يعرف شيء عنه في البدء، هي الجهة التي تمول هذا المؤتمر،"فتبين لي بأن من يدفع هذه النفقات غير معروف. ولكن الطرف المسيطر والظاهر بكل حدة هو حزب الإصلاح بقيادة السيد فريد الغادري . ياللعجب!! متى أصبح هذا الحزب بهذه القدرة ليقوم بفرض وجوده على هذا النحو في هذا المؤتمر" وهكذا يبدأ السيد هيثم سرية رحلة أخرى من البحث والاكتشاف الهيثمي إلى أن يكتشف عمالة هؤلاء لأمريكا تحديداً وحصرياً فيصرخ مرة أخرى؛ "الحزب يتبنى المشروع الأميركي بجميع تفاصيله بكل وقاحة. وقيادته لها علاقات متميزة مع الكونغرس و الإدارة الأمريكية". وعندها يعتذر لصاحب الدعوة من تلبيتها ولا ينسى أن يطلب بل يحذر –لاحظ هفوة القلم والعقلية الأمنية المخابراتية التي تقف وراءها- منه أيضاً بأن لا يلبي هو الآخر هذه الدعوة المشبوهة لجهة عميلة.

الله.. الله على هذه العبقريات الخارقة الحارقة من بعض المثقفين والسياسيين في شرقنا الإبداعي هذا والتي أوصلتنا إلى ما نحن عليه من تقدم حضاري تكنولوجي ونظريات وفلسفات نتباهى بها في أسواق عكاظ وسوق العطارين. يا "سيدي" لست هنا للدفاع عن حزب الإصلاح ولست عضواً أو حتى مؤازراً لهذا الحزب وليس لي علاقات مع أحد أعضائها ولا مع رئيسها فريد الغادري ولست من الذين تم دعوتهم إلى هذا المؤتمر الذي تدعيه ولا من الذين يأملون شيء منهم أو من الأمريكان؛ كوني رجل –إن بقي رجال في بلداننا وإن بقي للرجولة من معنى- عصامي أعتمد على عملي التجاري للارتزاق وأيضاً سوف أرسل مقالي هذا باسم "مواطن سوري"* وذلك خوفاً ورعباً من مخابراتك الوطنية بأن تجدني متلبساً بهذه الجريمة؛ "جريمة" التعبير عن الرأي وأنت أدرى بعقوبة من يتجرأ على السلطان ويقول: "أن للملك أذني حمار"، فأقل ما يعاقب به هو كتم الأنفاس وإلا لما ترجيت الجهات الأمنية بأن يفتح صفحة هذا الحزب: " أرجوا فتح هذه الصفحة لمعرفة المزيد (حزب الإصلاح السوري)".

نعم يا "سيدي" لست من هؤلاء الذين ذكرتهم قبل قليل ولكن بالله عليك جاوبني على هذا السؤال البسيط؛ لما لا تتهمون السلطات العربية بالعمالة للغرب وأمريكا وحتى إسرائيل وهي التي تركض ليل نهار؛ لكي تقيم معهم أحسن العلاقات، مع العلم أنها تملك من الإمكانيات والقدرات ما تفوق إمكانيات وقدرات المعارضة بأرقام لا تحصى بل لا تقارن، بل تصفقون لها في أكثر الأحيان إما دجلاً أو خوفاً وحينما تقوم بعض جهات المعارضة بنوع من الاتصال مع الدوائر الغربية نتيجة تقاطع مصالح شعوبنا وبلداننا مع هذه الدوائر تقام الدنيا على رؤوس هؤلاء ولا تقعد ويوصفون بكل النعوت والصفات من خونة وعملاء وإلى ما هنالك من شتائم يطلبها السلطان منكم.

اكتشاف هيثمي آخر فها هو يصرخ في وجهنا مرة أخرى؛ "نرى أن مسرحية ما قبل الحرب العراقية تعاد مجددا في سورية بكل فصولها و ملاحمها و لكن مع تغيير الممثلين. يا للهول! هذه هي الأساليب الشيطانية الأمريكية , شراء الضمائر بتوفير الرفاهية لبعض أطراف المعارضة السورية.. فهي تعرف أن كثيرا من مشاركي هذا المؤتمر يعانون من الحرمان المادي و المعنوي، و بعضهم يعانون من أمراض نفسية مختلفة أسبابها يعود إلى تجربتهم المؤلمة في سوريا. و بعضهم لا يعرف هذه الأساليب ولكنه يشارك بالجريمة. كما سمعت البعض يقولون، أنهم يأملون المكاسب المادية من هذه العلاقة". برافو يا سيد هيثم لقد جعلت من ربع المعارضة السورية شحاذين يعانون "الحرمان المادي والمعنوي" وهذه واحدة عليك وعلى السلطات السورية التي جعلت منهم متسولين على أبواب هذه الجهة أو ذاك، وجعلت من الربع الثاني أناس مجانين " يعانون من أمراض نفسية مختلفة أسبابها يعود إلى تجربتهم المؤلمة في سوريا" وهذه لا تحتاج إلى تعليق، وجعلت من الربع الثالث حمقى يقومون بأدوار غيرهم أو نيابة عنهم " و بعضهم لا يعرف هذه الأساليب ولكنه يشارك بالجريمة" ومن ثم جعلت الربع الأخير مرتزقة يبحثون عن "اللي بيدفع أكثر" وهكذا فعلى المعارضة الحرب وما بقي أمام الشعب إلا أن يلجأ إلى النظام ليخلصه من هكذا معارضة، فبالله أي شعب سوف يرضى بهكذا معارضة وأنت تطلب منهم –من المعارضة- أن تلجأ إلى الشعب بدل الغرب. ثم ما هذه اللهجة الأمنية البيجوية –من أنور بيجو- بأن من يخالفكم سوف يلقون إلى النفايات؛ " ومسيرة الحركة الوطنية السورية ستفرز الصالح من الطالح وستلقي بهؤلاء إلى النفايات كما يعيشون أمثالهم في العراق" وكأنكم عمال في إحدى بلدياتنا –مع كل الاحترام لهم- والتي تأخذ كل شيء من المواطن إلا النفايات فتتركه له. نعتقد أنه ليس هكذا تناقش قضايا الوطن ومسائل الخلاف والنزاعات وتباين وجهات النظر.

ما كنا سنوجه هذه الانتقادات للأخ هيثم سرية لولا معرفتنا بقناعاته والتي نتقاطع معها في جم منها وقد بين الكثير منها في مقاله هذا الذي هو مثار الجدل وأن كنا نختلف معه من زوايا الرؤية أو الحلول التي يطرحها ولكن على الأقل هو الآخر يضع النقاط على الحروف ويثير العديد من القضايا الهامة والتي تتعلق بحياة الوطن والمواطن؛ "فما نشاهده في هذه الأيام من الممارسات الأمريكية أنها ستعيد التجربة العراقية في سوريا. فلماذا لا؟ لا فرق كبير بين الشعب العراقي و السوري. هذان الشعبان لهما تاريخ واحد, حزب بعث واحد, أطراف معارضة متشابهة و ممارسات قمعية تعسفية واحدة. فتكرار هذه المحاولة سيكتب لها النجاح. فما على الأمريكان إلا زيادة الدعم المادي لحزب الإصلاح وأمثاله و إشهارهم في وسائل الإعلام على أنهم البديل الحقيقي للنظام السوري الحالي والنجاح مضمون". يا " سيدي" ليرتاح بالك وبال المعارضة المدجنة في الداخل بأن حزب الإصلاح –على حد علمي- لم يطرح نفسه كبديل سياسي عن النظام وحتى إن تجرأ وطرح ذلك فلن تقبله المعارضة. ولكننا نوافقك الرأي بأن تجربة العراق ستعاد ولكن بلون ونكهة سورية وليس عراقياً فوتوكوبياً؛ وما الضير في أن تعاد التجربة العراقية دون حروب ودماء بحيث يتم تمثيل جميع الأعراق والطوائف والأديان والمذاهب والكتل السياسية في البرلمان والحكومة المقبلتين أم تريدهما على شاكلة ما هما عليهما بحيث لا فرق بينها وبين جوقة المريدين والموسيقيين الذين ينغمون معاً مع رفع عصا المايسترو.

وبعد أن ينبه المعارضة إلى انزلاقها لمسألة الترويج لحزب الإصلاح الذي يعتبره خائن للوطن بتعامله مع أمريكا؛ "الدور الخطر الذي تلعبه هذه الأطراف المعارضة بأنها تسوق في الساحة السياسية السورية حزب الإصلاح الذي يتعامل مع ألد أعداء حركة التحرر العربية، الأمريكيين والاسرائيلين، على أنه وجهة نظر سياسية ويجب ديمقراطيا احترامها. فمتى كانت الخيانة تحترم". يعود ليتسول على باب السلطة لكي تحقق الإصلاحات الموعودة، "أمل إبليس بالجنة" مع العلم أنه يؤكد بنفسه على أن "الحكومة السورية لم تتعلم من المأساة العراقية ومن التجربة الفريدة في نوعها وخصوصيتها" ومع ذلك يصر التسول وهذه هي حال المعارضة في الداخل فهي لا تجرأ حتى الإعلان عن نفسها على أنها المعارضة في الداخل.

ولنا حصة نحن الكورد في مقال السيد هيثم سرية فهو لا يكتفي بتحذيرنا فقط وإنما يتوعدنا أيضاً وذلك عندما يكتب؛ "كما هو معروف أيضا بأن بعض الأطراف الكردية السورية ترغب بالتعامل مع الأمريكيين من أجل الحصول على حقوقهم. فهنا أقول أن الظلم الذي يلحق بكم ليس لأنكم أكراد، فالعرب السوريين عانوا من هذا الظلم أيضا. فاحذروا اللعب بالنار و أن تبيعوا أنفسكم إلى الشيطان.. فهنا أكرر ما يعرفه معظمكم أن حقوقنا نحصل عليها بنضالنا المشترك أكراد وعرب".

بداية لا بد من أن نشكر الأستاذ هيثم سرية على أنه يقر ويعترف بأن هناك شعب آخر يعيش إلى جانب اخوتهم العرب في سوريا وهم محرومون من كل الحقوق ولكن لا نعلم أيخدعنا أم يخدع نفسه أم هو يريد أن يبرأ النظام عندما يقول: " أن الظلم الذي يلحق بكم ليس لأنكم أكراد". بلى يا "سيدي" إن الظلم الذي يلحق بنا، إضافة إلى المظالم الأخرى والتي نتشارك بها معكم، فقط لأننا أكراد فأبنك ليس محروماً من أبسط الحقوق وأولها؛ حق المواطنة ولم تعد أبنتك في يومها الأول من المدرسة لتفاجئك ببكائها وتقول لن أذهب إليها –إلى المدرسة- كونها لم تفهم على المعلمة التي تصر أن تتكلم لغة لا تفهمها هي، وهي التي كانت تترقب بفارغ الصبر أن تصل إلى السادسة من عمرها لكي تذهب إلى المدرسة. أليس هذا خاصاً بنا نحن الكورد وهل عانيت يوماً من هذه المسائل وهل منعك أحد في دائرة حكومية أن تتكلم باللغة العربية أو أن تفتخر بانتمائك القومي أو تعرضت للاعتقال فقط لأنك تريد أن تحتفل بأحد أعيادك القومية أو أن تلبس زياً عربياً ذات ألوان مميزة، أليس كل هذا وذاك من الخصوصية الكوردية ولم نسمع لكم يوماً صوتاً أو لفتة إنسانية لهذه المسائل والآن تأتي لتحذرنا وتتوعدنا بأننا نلعب بالنار؛ بأن هناك "بعض الأطراف الكردية السورية ترغب بالتعامل مع الأمريكيين من أجل الحصول على حقوقهم".

لقد سألني ضابط التحقيق في إحدى المرات –وما أكثرها- التي دعيت فيها إلى التحقيق والاستجواب في أحد الفروع الأمنية، وكان ذلك بعد انتفاضة آذار لعام 2004 والتي هبت فيها كل المدن الكوردية وآزرت أبناء جلدتها في القامشلي وكان أيضاً بعيد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وكان للكورد منها نصيب وحصة، فبادرني بالسؤال وهو يعتقد أنه حاصرني في الزاوية القاتلة: "ما رأيك لو إننا –أي السلطات السورية- أعطيناكم كل حقوقكم السياسية والثقافية والاجتماعية، وجاء الأمريكان، ألن تتعاونوا معهم كما فعل إخوانكم في العراق". هل لاحظت الشبه بل التوافق بين نسق تفكيرك وتفكير ضابط الأمن "سيدي". لن ندافع هنا عن أشقائنا العراقيين ونقول بأن النظام العراقي البائد هو الذي أتى بالأمريكان وبأن الكورد كانوا يدافعون عن حق الحيات بعد أن كان النظام العفلقي الصدامي يشن عليهم حرب إبادة وبأن العرب نعم العرب هم من ساعدوا الأمريكان لدخول قواتها إلى الخليج بفتح مصر لقناة السويس أمام هذه القوات وبفتح دول الخليج لمطاراتها وأيضاً للقواعد العسكرية للقوات الأمريكية المنتشرة في هذه الدول -وهم مشكورون على كل حال فلولا هذا الدعم لما تخلص الشعب العراقي من الطاغية صدام ولبقي لسنوات وسنوات تحت نير ذاك النظام- وأيضاً ذاك الصمت من دول ما كانت تعرف بجبهة الصمود والتصدي و.. و إلى ما هنالك من أشكال الدعم المادي واللوجستي والتي قدمتها مجموعة الدول العربية هي التي أدخلت القوات المتعددة الجنسيات إلى المنطقة وليس نحن الكورد من قمنا بذلك. نعم لن نقول لك هذا كما قلناه لذاك الضابط ولكن نوجه لك ولكل الأبواق القومجية العروبية، كما وجهناها إلى ذاك الضابط الأمني: "بالله عليك لو كان هناك فرد أو قبيلة أو مجموعة بشرية عرقية كوردية أمازيغية توركمانية شركسية يهودية.. حاصلة على كل حقوقها، كما تكرم بها علينا ذاك الضابط الأمني، فهل ستلجأ إلى الخارج إن كان فرنسياً أو أمريكياً، أليس عندها ستنفى الحاجة إلى الخارج ولن يكون هناك مسوغ لذلك. وفي النهاية نقول لك ولكل الخائفين على العروبة ووحدة العرب عش ودع الآخرين يعيشون بحرية وكرامة.

..........................................................................................................................................

- كنت قد نوهت في المقال بأنني سوف أنشر مقالي هذا تحت أسم مستعار آخر؛ "مواطن سوري" كون هذا الاسم الذي أنشر به وهو الذي مستعار بالأساس، أصبح مكشوف ومعروف للجهات الأمنية ولكن ها إنني أتجرأ على خوفي وجبني وأقوم بنشرها باسمي الخفي العلني؛ بير رستم وكفانا نعمل في الخفاء كخفافيش الليل.