من هنا وهناك:

* يبدو ان الادارة الأميركية تواجه صعوبات في العراق أكثر مما تعترف به أو نعرفه، فهي هذه المرة تلوم المملكة العربية السعودية، بدل هدفها المفضل سورية.

قرأت والقراء انه في حين شنت السعودية حرباً على المتطرفين داخل حدودها، فإنها لم تساعد في منع انتشار الإرهاب، ولم توقف تدفق المال من سعوديين الى خلايا ارهابية حول العالم، والنتيجة ان كثيرين من الشبان المشتبه بممارستهم الإرهاب فروا من الشبكة الأمنية السعودية وتسللوا عبر حدود غير محروسة جيداً الى العراق.

لست هنا لأدافع عن السعودية، ولا بد من أن هناك تسللاً عبر الحدود. غير ان النقطة الأهم انطلاقاً من التهم الأميركية التي نفاها السعوديون بشدة، هي ان السياسة الأميركية مكروهة حول العالم، وسيظل هناك متطرفون يعارضونها بالإرهاب، مهما نفذت الحكومة السعودية من اجراءات ومهما تعاونت مع السلطات الأميركية، بما في ذلك القيود على تحويل الفلوس، فهذه يمكن ضبطها عبر البنوك ووقفها، خصوصاً ان الدولارات تمر بنيويورك، ولكن كثيرين يتبرعون نقداً، والشكوى الأميركية محقة هنا، إلا أن لا حل سعودياً لها، وإنما الحل هو في تعديل السياسة الخارجية الأميركية، ولا أرى ان هذا سيحصل قريباً.

مع ذلك أربط الشكوى الأميركية بمصاعب يواجهها الاحتلال في العراق، فهو دائماً يحاول نقل فشله الى طرف آخر.

* الطرف الأميركي المفضل هو سورية، والسبب ليس الحدود مع العراق ومن يتسلل منها أو لا يتسلل، وإنما كون سورية دولة المواجهة العربية الباقية مع اسرائيل.

وزيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لدمشق والتصريحات المرافقة ستزيد «المحبة».

أقرأ هذه الأيام كتاب بول بريمر «سنتي في العراق: الكفاح لبناء مستقبل واعد»، وأعترف بأنني أقرأ متنقلاً عبر الفصول، معتمداً على ما أجد من عروض أو نقد للكتاب. وهكذا قرأت ان بريمر شكا الى الرئيس بوش ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد من قلة عدد الجنود الأميركيين في العراق، ومن الحاجة الى ثلاثة أضعاف هذا العدد، أي حوالى نصف مليون جندي، لضبط الأمن، إلا ان طلبه رفض.

ربما كان أغرب ما في الكتاب زعمه ان الرئيس بشار الأسد حرض سراً زعيم الشيعة آية الله علي السيستاني على إعلان الشيعة جهاداً ضد القوات الأميركية.

من قال هذا؟ قاله موفق الربيعي نقلاً عن آية الله السيستاني الذي رفض مقابلة بريمر.

وشخصياً لا أصدق الربيعي أبداً لأنه طرف، ثم انه طرف مرتبك، فهو من جماعة موالية لإيران ويسيء الى أهم حليف عربي لإيران. ولكن أصدق آية الله الكبير الاحترام، وهو لم يقل علناً هذا الكلام. بريمر وأركان الادارة كلهم صدقوه، بل ان بريمر «ذهل»، ولعله بقي ذاهلاً، ما يفسر الفشل الأميركي المتفاقم في العراق.

الأميركيون صدقوا أحمد الجلبي فأوردهم موارد التهلكة، وبدل ان يتعلموا الدرس صدقوا الربيعي، وهو على الأقل أفضل من الجلبي لأنه لا يمكن أن يكون أسوأ.

* لا بد من ان قراء كثيرين قرأوا مثلي أخباراً عن دراسة أكاديمية أميركية تقول ان نفقات الحرب في العراق ستتجاوز تريليوني دولار، أي ألفي بليون دولار.

الدراسة جرت على أساس استمرار وجود عسكري أميركي في العراق حتى سنة 2010، ونفقات العناية الصحية والاجتماعية لحوالى 16 ألف جندي أميركي جريح.

وقرأت الدراسة في حينه، ورصدت بعد ذلك ردود الفعل عليها، وجاءت كما توقعت، فأنصار الادارة من اليمين المتطرف، ومن الليكوديين حول الادارة هاجموا كاتبَي الدراسة جوزف ستغلتز وليندا بايلمز، على اساس انهما من اليسار وضد العولمة.

أترك القارئ ان يختار من يصدق، عصابة اسرائيل أو دراسة صادرة عن جامعة كولومبيا، إحدى أرقى الجامعات الأميركية، كتبها بروفسور في الاقتصاد حائز جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2001 ومحاضر في جامعة هارفارد.

* البريغادير نايجل الوين – فوستر، انتقد شخصياً وبحدة بعد ان اتهم القوات الأميركية في العراق بانعدام الحساسية الثقافية الى درجة «العنصرية المؤسساتية»، وبعدم القدرة على مواجهة تمرد أو ثورة، وبأن اقتناعهم بأنهم على حق يطغى أحياناً على «قرارهم العسكري الجماعي».

البريغادير الوين - فوستر كان نائب قائد برنامج التحالف لتدريب العسكريين العراقيين، وهو تكلم عما خبر بنفسه، ولم يرد الأميركيون على أفكاره التي وردت في مقابلة مع مجلة عسكرية أميركية، وإنما قالوا انه «انكليزي متعجرف لا يطاق»، فاسم اسرته المزدوج يدل على ارستقراطية نشأته.

الادارة الأميركية تتخبط وتزداد تخبطاً لأنها بدل أن تعالج المشكلات تترك كلابها الضالة تنبح على السعودية وسورية أحياناً، وعلى فائز بجائزة نوبل، وعسكري حليف حيناً آخر.

* الولايات المتحدة بلد ديموقراطي عريق وقدوة، وأقول هذا صادقاً، فما يحدث في العراق أو أفغانستان، ونتيجة للحرب على الإرهاب هو الشذوذ على القاعدة الأميركية الأصلية والأصيلة.

أرجو ألا يضيع تاريخ عشرات الإدارات الأميركية بسبب ادارة واحدة ارتبط اسمها بالتعذيب من خليج غوانتانامو الى سجن أبو غريب، وسجون أوروبا بينهما، ونقرأ عن إطعام معتقلين مضربين عن الطعام بالقوة بعد تكبيلهم، وعن معتقلين آخرين لم توجه اليهم أي تهمة بعد أربع سنوات في السجن، وعن جنرال أميركي يتوقف عن الادلاء بشهادته حتى لا يدين نفسه بالتعذيب، وعن قتل مدنيين في غارات جوية أميركية.

هذه ليست أميركا التي أعرف والتي أرجو أن تعود.