في الوقت الذي يتوجه فيه الناخبون الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة لإختيار ممثلين عنهم في المجلس التشريعي الفلسطيني ولحسم المنافسة بين حركة "فتح" التي سيطرت حتى الآن على مؤسسات السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" التي تخوض للمرة الأولى الانتخابات التشريعية بدأت اسرائيل تعد نفسها لمواجهة الواقع السياسي الجديد الذي ستفرزه النتائج المتوقعة للإنتخابات ألا وهو دخول "حماس" الى الحياة البرلمانية الفلسطينية وتحولها شريكاً مهماً في الحياة السياسية عبر مشاركتها أيضاً في الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ستشكل بعد الانتهاء من الانتخابات.

ورغم الموقف الاسرائيلي الرسمي الرافض أي حوار مع سلطة فلسطينية جديدة تتمثل فيها "حماس"، والتعهد الأميركي والأوروبي بمقاطعة حكومة فلسطينية تتمثل فيها "حماس"، تُجري الحكومة الاسرائيلية ما وراء الكواليس سلسلة من الاستشارات والإجتماعات غايتها درس نتائج فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وكيفية التعاطي الاسرائيلي مع هذا المعطى الجديد.

وهنا يبرز أكثر من توجه اسرائيلي؛ فهناك فئة من المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين الذين يرون أن صعود "حماس" في السنوات الأخيرة كان في أحد وجوهه نتيجة السياسة الاسرائيلية التي انتهجتها حكومة شارون تجاه محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية وأدت الى تهميشه وإضعافه ووضع شروط تعجيزية أمامه للعودة الى المفاوضات مثل تجريد المنظمات الفلسطينية من السلاح.

كل ذلك وغيره عمل لمصلحة "حماس" التي شكل التزامها بالتهدئة الصيف الماضي مدخلاً للإعلان عن نيتها خوض الانتخابات التشريعية التي كانت تقاطعها سابقاً.

باختصار يرى هؤلاء أن تنامي شعبية "حماس" هو ثمرة لاستمرار الإحتلال الإسرائيلي، وأن على اسرائيل ما بعد الانتخابات الفلسطينية أن تقوم باختبار نيات "حماس" الحقيقية وتوجهاتها من مسائل مهمة مثل المفاوضات مع اسرائيل ومدى استعدادها للإعتراف بوجودها وترك النضال المسلح ضدها، وأن عليها في ضوء ذلك تحديد موقفها النهائي من التعاطي مع السلطة الفلسطينية الجديدة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية.

الإتجاه الثاني هو الأكثر تشدداً ويتوقع أن يؤدي الفوز الكبير الذي ستحصده "حماس" في الإنتخابات الى جعلها أكثر تشدداً في مواقفها من "فتح" شريكها في الحكم ومن اسرائيل. وهي لا يمكن بأي شكل من الأشكال ان تقبل بدمج قواتها المسلحة ضمن الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.

في رأيهم ستستمر "حماس" في تبني السياسة المزدوجة التي طبقها ياسر عرفات طوال سنوات حكمه أي الإمساك بورقة السلاح الفلسطيني ومقاومة اسرائيل من جهة، والدعوة الى المفاوضات السياسية من جهة أخرى.

كما أن نموذج مشاركة "حزب الله" في الحياة السياسية اللبنانية مع تمسكه بورقة المقاومة سيشكل نمطاً يمكن الإحتذاء به بالنسبة اليها.

لذا يتوقع هؤلاء سيناريوات كارثية وانقلابات عسكرية داخل السلطة في حال فوز "حماس" قد تصل الى حد الحرب الإهلية.

من هنا على اسرائيل في رأيهم أن تعد العدة لمواجهة موجة الفوضى التي قد تحصل ومنع انعكاساتها السلبية على امنها.

وفي حال لم يحصل ذلك وشاركت "حماس" في الحكومة الفلسطينية المقبلة فهم يرون ان على اسرائيل مقاطعة هذه الحكومة والتمسك بالشعار السابق الذي رفعه شارون طوال سنين "عدم وجود شريك فلسطيني" والمضي قدماً في سياسة الحلول الأحادية، وهذا أمر في حال حدوثه لن يغير كثيراً في الواقع السياسي الحاصل اليوم.

يشير ما سبق الى أن المسؤولين الإسرائيليين هم في مرحلة اعادة صوغ لموقفهم من المشاركة المرتقبة لحركة "حماس" في الحكم. وسوف يتأثر ذلك بعوامل عدة منها: الأداء السياسي لـ"حماس" بعد دخولها السلطة من جهة، ومن جهة ثانية ما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية للكنيست المفترض أن تجري في نهاية شهر آذار من فرز جديد للقوة السياسية الحاكمة في اسرائيل. فإذا ما فاز كما تشير التوقعات حزب الوسط الجديد "كاديما" فالأرجح أن تغلب النظرة المتشددة على الموقف الإسرائيلي وان يستمر النهج الذي انتهجه شارون واستمرار الكلام على "عدم وجود شريك فلسطيني".