أي زلزال سياسي لا يمكن ان يعتبر نهاية العالم. انه، على العكس، دعوة الى الجميع: الولايات المتحدة، أوروبا، اسرائيل، العرب، والفلسطينيين، خصوصاً «حماس»، وبالأخص «فتح» لإعادة النظر في ما حصل منذ بدء ما سمي «عملية السلام» حتى الآن. وكي تكون مقاربة المرحلة المقبلة ايجابية وفاعلة، يفترض الآن اجراء عملية فصل بين الواجب والممكن مستقبلاً وبين الاستغلالات والتحجرات التي ترتبت عن ربط «خريطة الطريق» وغيرها من الحلول بـ «الحرب على الارهاب»، لأن هذا الربط استخدم اسرائيلياً بهدف ضرب كل مشاريع السلام وبالتالي لإحباط الفلسطينيين شعباً وسلطة. ما خرج من صناديق الاقتراع كان نتيجة طبيعية مباشرة لكل الأخطاء، والخطايا التي ارتكبت طوال عشرة أعوام استغلتها اسرائيل لإثبات ان الاحتلال هو افضل الحلول المتاحة، وضيعتها الولايات المتحدة في انتظار تغيير جوهري في عقول الحكام الاسرائيليين، وأمضتها السلطة الفلسطينية متأرجحة بين محاولات تحسين «شروط اوسلو» ومحاولات تزويج «الثورة» مع الدولة. وإذ رد الفلسطينيون بهذه الصيغة الحاسمة، مستخدمين إلحاح الادارة الاميركية على الاصلاح والديموقراطية والحريات، فإن اشهار السلبية اميركياً وأوروبياً واسرائيلياً لن يعني شيئاً آخر غير البحث عن شعب آخر لفلسطين، مثلما كان ولا يزال هناك بحث عن سلطة أخرى.

طالما ان الاميركيين والأوروبيين مشاركون مع الاسرائيليين في التحكم بـ «المناطق» الفلسطينية، فلا بد انهم يعلمون جيداً ان «حماس» داخل السلطة ستكون محكومة بالواقعية، ثم انها أخذت أولاً واخيراً بما أدركته من قراءة الوضع الفلسطيني والرسائل الواضحة التي أطلقها المجتمع في توقه الى اعطاء أولوية مباشرة لأوضاعه المعيشية التي أمعنت اسرائيل في تدميرها وباتت السلطة عاجزة تماماً عن معالجتها.

لذلك فإن الخطوة البراغماتية التي أقدمت عليها «حماس» بالمشاركة في الانتخابات يجب ان تفهم بأنها - بعد مشاركتها في التهدئة - خطوة ثانية نحو نقلة نوعية في الخطاب السياسي والممارسة السلمية للمقاومة، وكان لا بد لهذه النقلة من اطار يبلورها بل يبررها، ويفترض ان الانتخابات شكلت هذا الاطار.

إذاً، تبدو «حماس» كأنها أعطت اشارات لاستعدادها للابتعاد عن ايديولوجيتها في النظر الى التسوية، وإلا فإن اقحامها نفسها في العملية السياسية مجرد مناورة لم تكن مضطرة لها. وحتى لو كان مجرد مناورة فلنقل ان الفوز الساحق أوقعها في الفخ الذي يدفعها الى تطليق التطرف، لذا يفترض تشجيعها على المضي في هذا السبيل، أي نحو الاعتدال. لكن ردود الفعل الاميركية والأوروبية جنحت بسرعة نحو «الايديولوجية» التي تختزل نفسها غربياً بـ «اسرائيل أولاً أما بقية الشرق الأوسط فلا يعنينا». ولذلك لم يجد زعماء الغرب ما يقولونه لـ «حماس» فور انتصارها سوى انها «منظمة ارهابية» وانها متهمة بالعمل لـ «تدمير اسرائيل»، علماً أنهم منقسمون في ما بينهم بشأن اعتبارها «ارهابية» طالما انها تكافح ضد قوة احتلال اسرائيلية، ثم أنهم لا يصدقون انفسهم حين يقولون انها تسعى الى تدمير اسرائيل. فكل هذا كلام تطلقه اسرائيل لتغطية عرقلتها لأي حل، وليس هناك ما يبرر تبنيه من جانب الاميركيين والأوروبيين.

أكثر من ذلك، إذا كانت «حماس» مقلقة ومرفوضة ولا يمكن التعامل معها، فماذا عن الذين أمكن التعامل معهم، هل يستطيع الاسرائيليون والاميركيون والأوروبيون ان يشرحوا اليوم كيف افشلوهم ولماذا. ألا يستحق الامر وقفة ومراجعة. ألم يحن الوقت لتغيير اسلوب التعامل مع القضية الفلسطينية؟

لا بد ان الفشل مع الراحل ياسر عرفات كان ذا دلالة، ولا بد ان الفشل مع الرئيس الحالي محمود عباس يعطي دروساً لمن يريد ان يتعامل مع المسألة على خلفية إقامة سلام عادل ودائم. طالما ان الاسرائيليين والاميركيين والأوروبيين فشلوا مع المعتدلين فقد فتحوا بأنفسهم الباب للمتطرفين، وطالما انهم بالغوا في تمجيد المتطرفين الاسرائيليين وتغطية جرائمهم فليتحملوا الآن نتيجة اضعاف المعتدلين الفلسطينيين.

شاءت أم ابت، تجد «حماس» نفسها أمام مفترق وتحد يتطلبان منها تضحيات من أجل الشعب الفلسطيني توازي تضحيات الاستشهاديين وربما تفوقها، وبالتالي فإنها تحسن إذا بادرت باتخاذ المواقف الداعمة للمصلحة الوطنية وألا تنتظر الضغوط الدولية لإجبارها على مواقف ترفضها. وطالما أنها ليست جاهزة ومهيأة للمهمة فمن الأفضل ان تحرص على أوسع شراكة ممكنة في الحكومة، وإلا فإن فشلها سيكون خيبة أمل قاسية للشعب الفلسطيني وليس فقط لناخبيها.