في الحلقة الأولى كشف مؤلف «حالة حرب» الصحفي جيمس ريزين عن جانب من مخالفات إدارة الرئيس جورج بوش للقوانين الأمريكية في سياق الحرب ضد الإرهاب وما أدت إليه هذه الحرب من صراعات داخلية طاحنة في واشنطن بين أجهزة الإدارة ورموزها في محاولة لإعادة توزيع الصلاحيات ونشر الاتباع والمخلصين في الدوائر المتباينة لاسيما من قبل محور نائب الرئىس ديك تشيني ووزير الدفاع رونالد رامسفيلد.

أما الحلقة الثانية فإنها تقرب العدسة المكبرة أكثر وأكثر من آليات عمل المفاصل الأساسية للإدارة، لاسيما المخابرات المركزية وفيما يتعلق بحالتين على وجه الخصوص هما حالتا العراق وإيران.

ويبدأ ريزين ذلك بالحديث عن اجتماع سري عقد في السفارة الأمريكية بلندن في عام 2002 وحضره كل رؤساء محطات المخابرات المركزية في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مجموعة خاصة شكلها البيت الأبيض تحت اسم «مجموعة عمليات العراق» وحشد فيها عددا من أشد المتطرفين في المطالبة بشن الحرب ضد العراق، ووضعت هذه المجموعة من الوجهة الصورية تحت إشراف وكالة المخابرات المركزية.

ويقول ريزين إن الاجتماع بحث إمكانية القيام بمسلسل من العمليات التي تهدف إلى زرع الشقاق داخل أركان النظام العراقي، وبث عدم الثقة فيما بينهم ونشر حالة من التوحش والقلق والهواجس والشكوك، بالإضافة إلى حث من يمكن حثه على الانشقاق عن النظام، وتناول الاجتماع ايضا مصادر النظام في الحصول على مواد ممنوعة، وكان أحد هذه المصادر هو قارب كبير يبحر بانتظام بين دبي وميناء أم قعد العراقي، واقترح واحد من رؤساء المحطات إغراق القارب.

وتطور النقاش حين قال رئيس محطة قريب من هذه القضية إن الأمر لايتعلق بقارب واحد وإنما بعدد من القوارب، وقال واحد من «مجموعة عمليات العراق» إن بالإمكان إغراق أحد هذه القوارب ومحاولة لصق الاتهام بالنظام العراقي وكأنه هو الذي أغرقه ببحارته ثم اعتبار ذلك سبباً لشن الحرب بما أن بغداد تهدد الملاحة في الخليج.

ويقول ريزين إن تفصيلات الاجتماع نقلت إليه، إلا أنه لم يتمكن بعد ذلك من تحديد ما إذا كان ذلك النقاش قد أسفر بالفعل عن إغراق القارب أم أن تنفيذ هذه العملية ألغي بسبب أو آخر. ويضيف أن تلك لم تكن الفكرة السخيفة الوحيدة التي ناقشها الاجتماع، فقد بحث المجتمعون ايضا فكرة إرسال عملاء عراقيين منخفضي المستوى إلى بغداد بعد تزويدهم بجهاز صغير يطلق أسهما مدببة بقوة كبيرة على الزجاج الأمامي لمسؤولين عراقيين كبار فيكسره، وذلك لإحداث أثر نفسي مربك في صفوفهم ولإثبات أن بوسع الولايات المتحدة أن تصل إليهم.

ويقول ريزين إن المصدر الذي نقل إليه ذلك قال له إن هذه العملية لم تنفذ وأن عملاء للمخابرات المركزية يوجدون داخل العراق قاموا بعمليات تخريب أخرى في العراق مثل تدمير قطار بإخراجه عن قضبانه قبل وقوع الحرب مباشرة، ووصف ذلك المصدر تلك العمليات التي نفذت والتي لم تنفذ بأنها «حماقات هواة» وفسرها بأن المخابرات المركزية لم يكن لديها وجود حقيقي «محترف» في العراق قبل الحرب لتنفيذ عمليات أكثر جدية.

ويضيف المؤلف أن الوكالة، وتحت ضغط عدم وجود هذا الوجود المحترف داخل العراق، اضطرت إلى إرسال طبيبة تخدير عراقية – أمريكية تدعى الدكتورة سوسن الحداد التي كانت تقيم في مدينة كليفلاند إلى العراق في مهمة بالغة الحساسية.

فقد كان للدكتورة سوسن شقيق يعمل في الثمانينيات في برنامج صدام النووي، وذهبت سوسن إلى العراق والتقت شقيقها وأمطرته بالأسئلة عن برنامج صدام النووي إلا أن شقيقها ذهل من أسئلتها، وأبلغها بوضوح أنه لا وجود الآن لهذا البرنامج، وأنه أغلق منذ سنوات طويلة.

وعادت الدكتورة سوسن إلى الولايات المتحدة في منتصف سبتمبر 2002 لتلتقي ضباط المخابرات المركزية الذين كانوا ينتظرونها بفارغ صبر، وقالت الطبيبة للضباط إن البرنامج النووي العراقي لم يعد موجوداً، وسجل الضباط ملاحظاتها بالتفصيل وشكروها وانصرفوا.

إلا أن الدكتورة سوسن لم تكن الوحيدة، فقد أرسلت المخابرات المركزية ثلاثين شخصاً آخر لهم أقرباء يعملون في برامج عسكرية عراقية، أو كانوا يعملون في هذه البرامج، وحمل كل من هؤلاء الثلاثين نفس الأسئلة التي حملتها الدكتورة سوسن، وعاد الثلاثون بإجابات مطابقة تماماً لما قالته الطبيبة.

وبعد شهر واحد من عودة الدكتورة سوسن إلى الولايات المتحدة أصدرت المخابرات المركزية تقييمها الاستخباري لأوضاع الترسانة العراقية، وتضمن البرنامج تأكيداً بأن العراق يمتلك برنامجاً نووياً نشطاً!

ثم يقص ريزين واقعة أنابيب الألومنيوم الشهيرة، وكان العراق قد طلب استيراد أنابيب ألومنيوم بمواصفات معينة لما قال إنه أغراض صناعية مدنية، إلا أن المخابرات المركزية أوقفت الشحنة قبل إرسالها للعراق، وبدأ الحديث عن كون هذه الأنابيب معدة لصنع أجهزة طرد مركزي التخصيب اليورانيوم.

وعقد جورج تينت اجتماعاً في مكتبه لمناقشة الأمر، وكان تينت يسمح لبعض الضباط الشباب من محدودي الخبرة بالمشاركة بحجة تدريبهم، وفيما كان يتعين أن يظل هؤلاء الضباط الصغار صامتين إلا أن المدير سمح لبعضهم بالمشاركة الفعالة لأنهم كانوا يتفقون مع رأيه.

وحين بدأت مناقشة قصة أنابيب الألومنيوم، قال نائب المدير جون ماكلوجلان، وهو ضابط مخابرات مخضرم، إن الأنابيب لايمكن أن تستخدم في صنع آلات الطرد المركزي، وأوضح أن وزارة الطاقة الأمريكية، وهي الجهة المشرفة على الترسانة النووية الأمريكية من الناحية الفنية والانتاجية، قد تسلمت عينة من هذه الأنابيب ووضعت تقريراً بعض فحصها قالت فيه إن من الصعب تصور أن الأنابيب يمكن أن تستخدم لآلات الطرد المركزي.

غير أن ضابطاً شاباً لايتجاوز عمره 25 عاماً تدخل في النقاش قائلاً: إن رأي وزارة الطاقة هو محض هراء، وأنه ناقش الأمر مع عاملين في المجال وقالوا إنه بالإمكان استخدام هذه الأنابيب لصنع آلات طرد مركزي، وسأل ماكلوجلان إذا كان هؤلاء العاملون الذين سألهم الضابط الشاب قد رأوا أو عاينوا نسخة من الأنابيب، وقال الشاب إنه وصفها لهم بدقة، إلا أن جورج تينت تدخل في النقاش قائلاً للشباب «أعتقد أن رأيك عظيم». وتم اعتماد رواية أن الأنابيب يمكن أن تستخدم لآلات الطرد المركزي، أي أن صدام حسين كان يمتلك بالفعل برنامجاً نووياً نشطاً.

وفي مطلع 2003 صدرت أوامر لضباط المخابرات المركزية في العراق، والأرجح أنهم كانوا موجودين في المناطق الكردية بالشمال، للإعداد للحرب وأرسل أحد هؤلاء الضباط مذكرة مفصلة توقع فيها بدقة أن تبدأ مقاومة مسلحة خاصة من مناطق وسط العراق بعد الغزو، إلا أن الضابط تعرض للوم بل وللسخرية في واشنطن.

وفي أغسطس 2003 أرسل رئىس محطة المخابرات المركزية في بغداد – وكان نظام صدام قد سقط – مذكرة أكثر دقة وواقعية جزم فيها بقرب اندلاع عمليات عنف «تكتسب أبعاد تمرد مسلح واسع النطاق». وكانت مذكرة الضابط تتسم بقدر كبير من التشاؤم، إذ إنه وضع القسم الأساسي منها بعد تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد. وأثارت المذكرة لغطاً شديداً في المقر الرئىسي لوكالة المخابرات المركزية بالقرب من واشنطن.

وقالت المذكرة إن محطة المخابرات المركزية في بغداد تتوقع اندلاع العنف على مستويين، الأول على أيدي مقاتلين أجانب متطرفين دينياً، والثاني على أيدي عراقيين يرغبون في مقاومة الاحتلال، وأضاف الضابط أن حركة التمرد المتوقعة لن تفتقد المقاتلين الذين يوجدون بكثرة، وأن اعتقال صدام حسين لن يوقف التمرد المتوقع اتساعه.

غير أن رئيس سلطة التحالف المؤقتة السفير بول بريمر الذي تلقى نسخة من المذكرة من واشنطن رد غاضباً بأنها تمثل «أسوأ السيناريوهات» وأن هذا السيناريو الأسوأ ليس هو الأكثر ترجيحاً، وتم وضع المذكرة على الرف دون اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يحول دون بدء التمرد المسلح واتساع نطاقه.

بعد ذلك يعرج ريزين على تفصيلات متناثرة قبل أن يصل إلى المحطة الإيرانية، من هذه التفصيلات ما أورده في الفصل السابع الذي عنونه «خسارة أفغانستان» وأوضح فيه كيف يعتقد أن إدارة الرئىس بوش خسرت أفغانستان بعد أن نجحت في إسقاط طالبان، ويذكر ريزين بقدر من التفصيل كيف أن الاعتماد على أمراء الحرب وتجار الأفيون، وهم شيء واحد على أي حال، كان «غطأ» لإبقاء سيطرة القوات الأمريكية على بعض مناطق أفغانستان.

إلا أن الأمر الأخطر في هذا السياق هو ما كشفه ريزين من ان قواعد الاشتباك التي ارسلها البنتاجون لقواته في أفغانستان أمرت بأنه في حال عثرت هذه القوات على شحنات مخدرات فإن من الممكن تدميرها، ويلاحظ المؤلف ان الأوامر لم تكن بأنه يتحتم على القوات تدميرها، واضاف ان دور القوات الأمريكية ووحدات المخابرات المركزية في أفغانستان سيتعرض لمراجعة تاريخية في مرحلة لاحقة للتأكد مما إذا كان لها دور في تسهيل تهريب الأفيون من أفغانستان.

ومن الأمور الأخرى التي عرج عليها ريزين في الفصل الثامن بعد ان منح افغانستان الفصل السابع بأكمله، قصة العثور على بطاقتي ائتمان مع أبي زبيدة بعد اعتقاله، واحدة من مصرف كويتي والثانية من مصرف سعودي، ويقول ريزين ان البطاقتين كانت يمكن ان يقدما مفتاحا لبعض أهم أسرار القاعدة ولتحديد من يمول القاعدة في البلدين.

وقال مصدر للمؤلف: كان يمكن للبطاقتين ان يحددا مسار التمويل من جيب الممول وحتى جيب هذا القيادي البارز في القاعدة غير أن فريق المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي لم يتابع عمليات البطاقتين المصرفية وهو أمر أدهش الجميع، ولا نعرف حتى الآن لماذا حدث ذلك؟!

ويقول ريزين: ان مصدرا ثانيا قال له ان هذا الاهمال لم يحدث عن قصد، وإنما حدث بسبب عدم مراجعة التفصيلات من مستويات أعلى في واشنطن، وأضاف المؤلف: «وقد ضاعت السجلات، فقد قبل ممول مسلم كان له ماض يدعو الى التساؤل، وكان على علاقة بطالبان وبالقاعدة وبالمخابرات السعودية وافق على العمل مع المحققين الأمريكيين لكشف ابعاد هذه القصة، وقال هذا الممول انه علم ان المسؤولين في المخابرات السعودية صادروا كل المستندات ذات الصلة بأبي زبيدة وبطاقة الائتمان السعودية التي كان يحملها وان تلك المستندات اختفت بعد ذلك، وان ذلك حدث في نفس الفترة التي اعتقل فيها أبو زبيدة في باكستان في مارس 2002.

بعد ذلك يوضح ريزين كيف قدمت المخابرات المركزية أسرار صنع سلاح نووي لإيران، فيقول ان المخابرات وضعت خطة تقتضي بأن يقوم عالم روسي منشق بكتابة خطة تفصيلية لصنع قنبلة ذرية في خطوات، وان يتعمد وضع اخطاء وألغام تكنولوجية في مرحلة متقدمة من هذه الخطة.

وكانت هذه المناورة تعتمد على ان التكنولوجيا النووية الإيرانية تعتمد في الأساس على النموذج الروسي، وعلى اعتقاد ان الايرانيين سيسعون للحصول على خطة لصنع سلاح نووي على أي حال، فلماذا لا تقدم لهم المخابرات المركزية ما يبحثون عنه لأن ذلك يضمن أمرين: الأول، هو انهم لن يبحثوا بنفس الحماس اذا شعروا بأنهم عثروا بالفعل على ما يريدون، والثاني هو ان الألغام التكنولوجية التي وضعها العالم الروسي أتت في مراحل متقدمة من خطوات صنع القنبلة وعلى نحو يضيع كافة الجهود السابقة لبناء هذا السلاح ويضمن ارباك تلك الجهود وقلب معادلاتها رأسا على عقب.

وبعد وضع الخطة قررت المخابرات المركزية ارسال العالم الروسيين الى فيينا حيث يقع مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد كانت التقارير الأمريكية تفيد بأن هناك شبكة إيرانية تجمع الأسرار الفردية وترسلها إلى طهران، وان هذه الشبكة تضم دبلوماسية ايرانيين في الوفد الايراني بالوكالة الدولية.

وسافر العالم الروسي الى فيينا وسلم الخطة الى دبلوماسي ايراني، غير ان امرا غير متوقع حدث، ذلك ان العالم الروسي ولسبب غير مفهوم وان كان يتعلق حسب قول ريزين بعدم ثبات شخصيته، حذر الدبلوماسي الايراني من وجود ألغام بالخطة التي قدمها له، وحدد أماكن هذه الألغام وطرق تجاوزها بعد ذلك انطلق الدبلوماسي الإيراني حاملا الخطة الروسية – الأمريكية الى طهران، ويوضح ريزين ان ضابطا شابا في الوكالة سلم عن طريق الخطأ معلومات لأحد عملاء الوكالة من الايرانيين الذين يعملون داخل ايران، وهي معلومات لم يكن ينبغي ان تخرج من حوزة الضابط الشاب من الأصل، إلا أن العميل الايراني كان يعمل في واقع الأمر لحساب المخابرات الايرانية، التي حللتها وحددت مصادرها المحتملة، ويقول ريزين: ان العشرات من عملاء وكالة المخابرات المركزية الذين يعملون داخل ايران «اختفوا» بعد ذلك.

وهو كتاب عن مسلسل من الاخفاقات والتخبط ومحاولة التلاعب بالحقائق وتزييفها، وعن ادارة قالت: إنها ستضرب العراق لتحريره ولتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط فدنت بالعراق الى اتون فوضى دموية عارمة وبالمنطقة الى مرحلة من عدم الاستقرار وقالت: إنها ستنهي النووية الايرانية، فإذا بها تمد طهران بخطة لصنع سلاح نووي، وقالت: إنها ستحارب الارهاب فإذا بها تخرق القانون وتعذب هنا وتتجسس هناك، وسوف يحكم التاريخ بقسوة على هذا العبث كله، إذ يبرهن كتاب ريزين على ان الحقائق لا تلبث أن تظهر رغم كل محاولات اخفائها.