خلال حرب العام 1812 اغار العوام ببلتيمور على مكاتب احدى الصحف التي تجرأت على معارضة الحرب. عندما احاطت الجماهير بالصحيفة، ورفض الحرس الوطني التدخل لحماية الصحافيين. اضطر رجال الشرطة لأخذهم الى السجن من اجل حمايتهم. لكن العامة تبعتهم وقتلت واحداً منهم، وتركت آخرين شبه موتى، وعندما ظهر زعماء العوام أمام المحكمين في قاعات القضاء، جرت تبرئتهم! يذكر الكسيس دي توكفيل هذه القصة المؤثرة في كتابه: الديموقراطية في اميركا، ويحذر بعدها قائلاً ان اكبر الاخطار التي تتهدد الديموقراطية هي ديكتاتورية الاكثرية.

ولذلك فان رحلته خلال ولايات الدولة الاتحادية الاميركية في ثلاثينات القرن التاسع عشر، تتضمن تقديراً كبيراً للديموقراطية الاميركية المزدهرة، وفي الوقت نفسه احساساً بالحذر ناجماً عن هشاشتها. برنارد هنري ـ ليفي، الفيلسوف الفرنسي، الذي سار على خطى توكفيل كتب مذكراته: "اعتبارات اميركية". والكتاب كتاب تسلية مثلما هو مؤلف جام كرواك. وتوكفيل ومقاربته الخارجية هذه، كثيراً ما تؤدي إلى ملاحظات عميقة، بينما هي في أحيان أخرى مؤدية لنصائح غريبة. ولسوء الحظ، فان ليفي ما شغله الهم الذي كان يشغل المعلم توكفيل: كم هي قريبة الديموقراطية المزدهرة مثل الديموقراطية الاميركية، من الطغيان؟! وهذا موضوع يكتسب اهمية هذه الايام حيث يزعم الرئيس بوش ان من حقه تسجيل محادثات المواطن دونما اذن قضائي، ومن حقه ان يسجنه بدون محاكمة لمجرد القدرة على تسميته "مقاتل عدو". ولذلك ففي حين يسلي كتاب ليفي، يبقى كتاب توكفيل الأهم حتى لتأمل الديموقراطية الأميركية المعاصرة.

ان الكتاب الذي انتجه دي توكفيل ـ والذي ظهر بمجلده الاول عام 1835، وبجزئه الثاني الصغير بعد خمس سنوات ـ غني بالمشاهدات والملاحظات عن اميركا. من ضمن ملاحظات توكفيل ان الديموقراطية الاميركية ـ مقارنة بالديموقراطية الاوروبية التي كانت تخطو خطوات واسعة الى الامام وقتها ـ تحمل في احشائها خطر الطغيان لانها تتضمن سلطة مركزية قوية. كان توكفيل يتحدث عن الزمن الجاكسوني، وهو زمن مختلف تماما عن الولايات المتحدة المعاصرة ـ لكن مخاوف توكفيل لها ما يبررها حتى اليوم. لقد خشي ان تتصاعد قوة الدولة الى الحدود التي لا يتقلص فيها المواطنون الى مجموعة من الحيوانات المؤدبة، بينما تصبح الحكومة هي الراعي". كما خشي ان تدوس الأكثرية على الاقلية كما حدث مع صحفيي بلتيمور.

وكان يخشى ايضاً من السيطرة الذهنية او التأثير على حرية الرأي، اذ هو "لم يجد في أي بلد يعرفه من هو أقل استقلالا في الآراء والحريات الحقيقية، من الاميركيين". وقد اشار توكفيل الى بعض الامور التي يمكن ان تحمي من الطغيان، كان الرجل من انصار المراقبة والمحاسبة. ثم انه كان شديد الامل باستقلالية القضاء، وما كان توكفيل ليستغرب لو علم ان المحكمة العليا هدأت من جموح ادارة بوش في مسائل الارهاب؛ كما ان ادارة بوش كانت حريصة على تعيين قضاة ذوي اراء ايجابية في سعة صلاحيات الرئيس! وما كان توكفيل ليستغرب لو علم ان ادارة بوش تزعم ان تسجيل المكالمات، وسجن "المقاتلين الاعداء" الى ما لا نهاية، هي امور تخدم قضية الحرية! فقد كان يفهم لجوء المستبدين الى الظهور بمظهر حماة الحرية، بينما هم في الحقيقة "خدم مستترون للطغيان" ثم ان توكفيل رغم كل شيء ما كان يائساً.

فرغم المفهوم القوي للمساواة والذي يهدد بالاستبداد؛ ذاق الاميركيون طعم "المؤسسات الحرة"، والذي سيحثهم على المقاومة. فهناك احساس عميق ناشئ بالحرية في القلوب والعقول، وهو بمثابة الدواء المضاد للمرض الذي جرى نشر العدوى بواسطته.