على حركة «فتح» أن تعترف، من دون مكابرة، بأن دورها في نجاح «حماس» لم يكن قليلاً. والسبب لم يكن في سياسة «فتح» تجاه عملية السلام وتعقيداتها، بل هو كامن في المشهد الميداني للحركة والذي يمكن تلخيصه بالفوضى التي تنتج فساداً وتشرذماً وتشققات وصدامات. وعلى مدى اكثر من عشر سنوات بعد أوسلو، كان منتظراً خلالها ان يرقى اداء «فتح» الى مستوى يعطيها القدرة على التأثير في مسار العملية التفاوضية الصعبة، ولكنها، بدل ان ترتقي الى مستوى التحدي الذي رتبه اوسلو، حصل العكس تماماً، من دون ظلم لأهل الرأي والرؤية من اصلاء الحركة من القدامى والجدد، الذين ادركوا بعمق معنى «عسكرة» الانتفاضة وما يتيحه ذلك من صدقية للفصائل المقاتلة بصرف النظر عن طبيعة القتال والعمليات والقيم والافكار التي تحكمها، بخاصة ان اسرائيل كانت تقوم بنوع من الاستدراج الى العسكرة، والى العمليات الاستشهادية تحديداً، لأن من شأن ذلك أن يؤمن لها غطاء للخروج من اوسلو، أي الغاء ما تحقق منها والممانعة في تحقيق ما تبقى. وقد بدا المشهد، فعلياً وبعد اكثر من عشر سنوات على اوسلو، وكأنه سابق عليها، ما كثف صدقية «حماس» في جو العنف المتبادل، موصولاً بتعقيدات الاسلام السياسي من مانهاتن الى احتلال افغانستان ثم العراق، وانتهاء بتقدم «الاخوان المسلمين» في مصر، الى رئاسة محمود احمدي نجاد وتراجع الاصلاحيين في طهران.

مبروك لـ»حماس» وللسلطة الوطنية الفلسطينية على هذه الديموقراطية التي لا مثيل لها في اكثر اصقاع الدنيا السياسية. ولكن ينبغي ألا نغفل عن ان اسرائيل سبب كبير من اسباب الوصول الى هذه الحال، لأنها تدرك ان تحديها الاهم هو هجوم السلام لا هجوم السلاح، فالأول يشكل مصدراً للازمات في الكيان، فيما يمثل الثاني عامل تماسك وغطاء للارهاب الصهيوني.

وهجوم السلاح اذا ما تسيس في العمق فانه يصبح قابلاً للتنازل اكثر من موقع التمثيل الاوسع والصدقية الاعمق، أي ان «حماس»، القاطعة ايديولوجيا ثم سياسياً مع الكيان، هي الاقرب والاقدر على القطع بين السياسي والايديولوجي وتقديم التنازلات، أو لنقل الدخول في المفاوضات. وعليه، هل تكون اسرائيل مستقبلاً على استعداد لاعطاء «حماس» دولة على تمام الضفة والقطاع مع اللاجئين ومع القدس؟ اذا حصل ذلك تكون «حماس» قد انجزت انجازاً عظيماً على اساس تنازل او تغيير عميق، ومغفور لها.

هل تتسع «حماس» لمشاركة «فتح»، وهل تنفتح الثانية، التي كانت في الموقع الأول لعقود طويلة، الى حد مشاركة الأولى في حكومة أو سلطة من دون شعور بأنها مهزومة مرتين اذا ما وضعت في الموقع الثاني، وهل يمكن ان يعتبر «التنازل» هنا خيانة في اوساط «فتح» فتنتهي نهاية مأسوية؟

من حق المراقب ان يقول ان بقاء «فتح» في المعارضة يعطيها فرصة لاعادة بناء ذاتها وتماسكها، بخاصة ان الترياق ليس جاهزاً في كيس حركة «حماس».

والامثل لـ«فتح» ان تستمر في صراعها مع اسرائيل من اجل السلام سلمياً، وأن تستمر في مناقشتها السلمية لـ«حماس».

واذا ما كانت «فتح» في نهاية ازمتها وامامها فرصة للاستفادة مما حصل، فان «حماس» في بداية ازمتها، علماً أنها نمت وتسارعت وتيرة نموها في ظل السلطة «الفتحاوية»، فيما لا يمكن لـ»فتح» ان تعود الى حال النمو الحقيقي في ظل حركة «حماس».

المشاركة دخول في الظل، فيما تبقى المعارضة مجالاً للشراكة الوطنية من دون تبعات، أي ان «فتح» الآن أمام خيار ان تبتلعها «حماس» بالمشاركة، او تقبل بالتحدي لترد عليه بعمق، بأن تعود الى عافيتها وقوتها وحجمها لتصبح عصية على الابتلاع.

واذا نجحت «حماس» في تحقيق الدولة، وكان توجهها كذلك، فان «فتح»، من موقع المعارضة الحركية وموقع الشراكة الوطنية تصبح اقدر على العطاء لفلسطين ولو من بوابة الســلطة «الحـــماسية».

ليست حركة «فتح» افتعالاً حزبياً أو سياسياً فلسطينياً، بل هي انبثاق فلسطيني، مشكلته انه أدرك، فكرياً وسياسياً، المطلب الفلسطيني الواقعي بعمق، لكنه تخلف ميدانياً عن رؤيته. ويشكل التحدي الآن فرصة لاعادة تأثير الرؤية في الميدان وفي الاداء.

في الختام نحن في انتظار كيف سيتعامل بعض التطهريين من حركة «فتح»، ممن قدموا أنفسهم كأنبياء يرون الماضي والحاضر والمستقبل من دون احتمال للخطأ واندمجوا في كورال الكلام عن الفساد، مع وقائع قاسية اسهموا في صنعها؟ كما ننتظر الرئيس محمود عباس الذي خرج سليماً معافى من هذه المعركة ليشكل ضماناً لمستقبل فلسطين و»فتح» و»حماس» والجميع، وهو الواضح، وغير المجامل، والواقعي والعقلاني الذي يخالف السائد والعاطفي ويحترمه.

فلدى «أبو مازن»، في النهاية، فرصة، وان غير واسعة، لاستخدام قامته وعقله في دفع «فتح» نحو الانتصار على نفسها من اجل فلسطين