أصحاب الطرح الليبرالي الغربي في المنطقة العربية في ورطة. حين حاولوا مناهضة الاستعمار واستخدام مفاهيمه في الآن نفسه، كانوا في ورطة. حين ربطوا أنفسهم قولاً وفعلاً بالمدّ الإمبريالي، أصبحوا في ورطة أكبر. تعطي الأوضاع في أكثر من بلد عربي إشارات حول هذه المقولة. حوّلت الانتخابات الفلسطينية الأخيرة تلك الإشارات إلى وقائع دامغة . يمكن لمقاومة الطرح الليبرالي أن تتّخذ وجوهاً عديدة. ويمكن لكثيرين ألا يعجبهم الوجه الذي تتّخذه في أكثر من بلد عربي. لكنّ الأكيد هو أنّ الوصول الإسلامي للسلطة للمرّة الأولى في بلد عربي قد حدث في فلسطين، وأنّ ذلك ليس محض صدفة.

ذلك أنّ القضية الفلسطينية هي ما جعل الوجه الوطني والثقافي هو الوجه الغالب على المقاومة للطروحات الليبرالية الغربية. ساعدتها في ذلك عوامل أخرى كتلك المخفّفة لحدّة السياسات الاقتصادية النيوليبرالية في المنطقة، والدور الذي أدّاه الغرب في منطقتنا إبّان الحرب الباردة، لكنّ القضية الفلسطينية بقيت هي الأساس. لذلك، لن يفيد مقارعة هذا التوجّه المقاوم عبر طرح المسألة الديموقراطية، كالقول مثلاً أن <<حماس>> أقلّ ديموقراطية من <<فتح>>، أو أنّ حسن نصر الله أقلّ ديموقراطية من سعد الحريري. فحتى لو كان الأمر صحيحاً، فإنّ محاولة تحويل الديموقراطية إلى خيار سياسي، بدلاً من أن تكون وسيلة لإدارة الصراعات بين الخيارات السياسية المطروحة، هي محاولة غير موفّقة تماماً. لا يريد الأميركيون التمييز بين الأمرين، ويحذو حذوهم في ذلك كثيرون من المناضلين الجدّيين ضد الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي.

لا يمكن فصل ما يحدث في لبنان عن مجرى هذه الأحداث. والعدّة الغربية التي تستخدم لترهيب الناخب العربي هي العدّة نفسها التي تستخدم لترهيب اللبنانيين اليوم، وقودهم للالتحاق بمشروع الغالبية النيابية: المساعدات الاقتصادية، نشر ثقافة المنظمات غير الحكومية، استخدام الآلة العسكرية، تصوير المستقبل ممكناً باتّجاه واحد... إلخ. صحيح أنّ الاغتيالات السياسية في لبنان مستمرّة ببشاعة متصاعدة، إلا أنّ هذا الاستخدام للقوّة في الصراعات السياسية، تقابله دعوة وقحة لأقوى جيش في العالم كي يغزو سوريا.

لا يبرّر ذلك الاغتيالات، إنّما يشير إلى أنّ استخدام القوّة حاضر في الطرحين المتواجهين. ما يزيد الوضع تعقيداً هو أنّ التحالف الحاكم في لبنان ليس إلا صورة كاريكاتورية عن الأطروحات الليبرالية التي يتحدّث عنها. فالمشروع الليبرالي في لبنان يقوده تحالف بين أمراء حرب، وإقطاع سياسي، ورأسمالية ريعيّة. وهي مكوّنات ثلاثة لا يمكن لها أن تمثّل أيّة ليبرالية، أو حتّى نيوليبرالية، جدّية.

أمّا الطرف المواجه فيقوده أطراف اكثر جدية في طرحه. لذا، لا يكمن الفارق بين مشروعين وحسب، إنّما أيضاً بين أهلية كل طرف بتمثيل المشروع الذي ينطق باسمه. إنّ وضعاً كهذا يحتّم لجوء أصحاب المشروع الأوّل إلى الاستقواء والالتحام بالمشروع الإمبريالي الذي يمثّلون. قد لا يعجب هذا التوصيف بعض المنضوين في هذا التحالف، وقد يجده آخرون مديحاً، وتجسيداً لطموحات قديمة لديهم. لكنّ الجميع مدعوّون إلى ملاحظة شارة الحقيقة التي وضعها دايفيد وولش على صدره لدى استقباله زعيم الغالبية النيابية.

لا شيء يمكن أن يكون أكثر رمزية للتلاحم الحاصل حالياً بين المدّ الإمبريالي وبين الغالبية النيابية الحالية.

اللهمّ إلا إذا كانت تلك الشارة التزاماً فلسفياً من قبل وولش للبحث عن الحقيقة، أو عربون صداقة شخصية بين عائلة وولش وعائلة <<الرئيس الشهيد>>.