أسئلة جدّية مطروحة على أطراف وشخصيات إعلان دمشق ، بعد أن رحّبت، ووافقت عليه مروحة هامة، وواسعة من أطياف العمل السياسي، وبعد أن تقدّم عديدها بملاحظاتهم بغية تطويره، وتجاوز الثغرات فيه ..

أول الأسئلة تتمحور حول : الخطوة التالية لما بعد الإعلان، وإعادة النظر بميثاقه. أي الإجابة على السؤال الرئيس : وماذا بعد الإعلان؟؟..

الإجابة ترتبط بفهم موقع الإعلان من عملية التغيير. وهذا يقود إلى معرفة الظروف، وربما الحسابات التي ولد بها، والقوى وتوزعها ، وحضورها، وفعاليتها، وجملة الاختلاطات المعقّدة بين وطن مستهدف خارجياً، ونظام يستثمر ذلك في كل صعيد.. وأثر الضغوط الخارجية على المعادلة السورية وأطرافها، خاصة لجهة النظام ...

ظروف ولادة الإعلان ..

يتحدث كثير من المعنيين بالشأن السوري، خاصة جملة المشككين بخلفيات وقوى ومرامي الإعلان، أن ولادته ارتبطت بظروف خارجية، اختلطت برهانات وحسابات على ما يمكن أن تسفر عنه لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الحريري، وتقرير رئيسها لمجلس الأمن ..وعلى خلفية مقتل وزير الداخلية / غازي كنعان/ وما أثاره من توقعات واستنتاجات .

أي أن أطراف الإعلان بنت اتفاقها على تقديرات تشير إلى إمكانية حدوث شيء ما في النظام السوري : ضعضعة ـ تفككاً ـ وربما انقلاباً..أو ما شابه. وأنها أرادت أن تسجل حضورها وكأنها تريد القول والتبليغ : نحن هنا..ولدينا مشروع البديل. أو أننا طرف في معادلة التغيير وما يليه.. وأن هذا ما يفسر تلك السرعة في صياغة بنود الاتفاق، وفي إعلانه على الملأ قبل أيام من تقديم / ميليس/ لتقريره..وأنه سلق سلقاً، فامتلأ بالثغرات، والتناقضات ، والصيغ الملتبسة.. والخ ..

وقبل الخوض في مناقشة هذه التصورات يجدر التوقف عند نقاط أساسية :

1 ـ فكرة وحدة عمل المعارضة السورية بشتى أطيافها ليست ظرفية، ونتاج أشهر ما قبل الإعلان، فهي قديمة عمرها سنوات وسنوات من المحاولات، والمشاريع المتقطّعة، واللقاءات بين عدد من الأطراف المختلفة .

إن وعي أهمية وحدة عمل المعارضة السورية تعود إلى الثمانينات من القرن المنصرم، بل وإلى قبل ذلك، حينما أعلنت قوى "التجمع الوطني الديمقراطي" ضرورة التعرف على ما يجري داخل " الحركة الدينية" لصيانة الوحدة الوطنية، وإدانة الفعل الطائفي، وباتجاه تصويب خطها وممارساتها، ومحورة أهداف المرحلة باعتبارها : مرحلة التغيير الوطني الديمقراطي، على أسس التعددية، والاعتراف بالآخر، وبالتداول السلمي على السلطة، وإدانة الفعل الطائفي من أية جهة جاء ، وبأي غطاء، أو ذريعة .

ولأسباب متعددة، تعود، بالدرجة الأولى إلى السائد في الحركة الدينية من خط وخطاب ومواقف، يومذاك، لم ينجز هذا الحوار. وتعمّقت الفجوة بعد الضربات المؤلمة التي أصابت كافة قوى المعارضة ( بعد مجزرة حماة)، وبعد إقامة " التحالف الوطني لتحرير سورية" بين الإخوان المسلمين، والبعث( القومي)، وعدد من الاتجاهات الناصرية والدينية، والقومية.. تحت إشراف وتأييد النظام العراقي .

2 ـ إن واقع الضعف، والتشتت، والتذري الذي حاصر قوى المعارضة بكل أطرافها.. بقدر ما كان يستدعي إعادة نظر نقدية، جذرية داخل كل طرف على حدة، وفي إطار التحالفات القائمة، بقدر ما كان يعني استخلاص أهمية ووجوب فتح حوار صريح بين جميع مكونات العمل السوري لمعرفة نقاط الاختلاف، وقابلية العمل المشترك ، والتقدّم خطوات على طريق التقارب.

في أواخر الثمانينات جرت محاولات جدية للحوار المباشر بين أطراف " التحالف" وعدد من القوى المنضوية في التجمع ، أو المحسوبة عليه . وبعد جلسات وجولات طويلة من النقاش الصريح والمعمّق تمّ الاتفاق على قواسم مشتركة للعمل السوري الجبهوي، يمكن إجمالها بـ :

ـ الاتفاق على إقامة نظام وطني ديمقراطي تعددي يكرس الحريات الديمقراطية بكل مفرداتها : العمل والاعتقاد والتعبير والتحزب والنقابات والصحافة والقضاء المستقل، وفصل السلطات.. وكل ذلك عبر انتخابات نزيهة ـ عادلة تؤدي إلى مجلس نيابي سيد يتولى التشريع ، وانتخابات رئاسية.

ـ استقلالية العمل الجبهوي عن أي نظام، أو جهة غير سورية . وعلى أن تقوم قيادة الجبهة المنتخبة ببحث علاقاتها السياسية عربياً ودولياً بما ينسجم ومبادئها، وقضية التغيير ، بما في ذلك الجانب المالي .

ـ المساواة بين جميع مكوناتها في المؤسسات، والتعامل، بغض النظر عن الحجوم، أو الادعاء بها . والتكافؤ في المسؤولية والحقوق والواجبات .

ـ الابتعاد المسبق عن المحددات الإديولوجية لهذه الجهة أو تلك.. على أن يترك ذلك لما يقرره الشعب في الانتخابات ، حيث يتمّ حينها اعتماد برنامج القوى الفائزة .

ـ صياغة ميثاق باسم " الجبهة الوطنية الديمقراطية" يرتكز على هذه الأسس ، ويكون مفتوحاً على جميع قوى المعارضة دون استثناء .

لقد تداخلت عدة عوامل حالت دون تجسيد ذلك الميثاق في جبهة عريضة، بما كان يشير إلى عدم نضج الظروف الذاتية والموضوعية، خاصة لدى " التجمع الوطني الديمقراطي" في الداخل، والذي كان يضع مجموعة من الشروط التي يراها غير متوفرة في الأطراف الأخرى.. بينما كان البعض يرجع السبب إلى حالة الضعف العام، وإلى الخوف من ردة فعل النظام على خطوة بهذا الحجم.. يتهم النظام العراقي بأنه وراءها، أو أنه يدعمها ..

تحول " التحالف" إلى " الجبهة الوطنية الديمقراطية" بعد أن جرت بعض التعديلات على مشروع الميثاق الذي طرح.. لكن دون أية إضافات سياسية، وتراخت وتيرة الحوارات، وأهميتها ارتباطاً بالأحداث العاصفة التي اجتاحت المنطقة، والتي توّجت بغزو واحتلال العراق .

3 ـ عرفت السنوات الماضية تطورات مهمة تصبّ في منحى التقارب ، خاصة تلك التي عرفها تنظيم الإخوان المسلمين في تقويمه ونقده لتجربته، وعبر طرح" ميثاق الشرف" الذي يدين فيه العنف، ويكرس السبل السلمية طريقاً للتغيير، وللتداول السلمي على السلطة ، والتعددية..وبما يضع الكرة في ملعب المشترطين ويدعوهم لفتح حوار جدي بغية الوصول إلى اتفاق حول المرحلة ومهماتها . وقيامه بعدد من المبادرات والأنشطة التي تترجم توجهاته.. مقابل إجراء عديد الحوارات مع أطراف سياسية، داخل وخارج " التجمع الوطني الديقراطي" .

4 ـ سقوط المراهنات على إمكانية قيام النظام بإصلاحات فيه، وفي المجتمع.. وبالتالي: فإن الدعوة إلى مصالحة عامة، وإلى مؤتمر جامع للحوار الوطني.. اصطدمت المرّة تلو الأخرى بطبيعة النظام غير القابل للإصلاح، وغير المؤمن بدعوات أطراف المعارضة لطي الماضي وفتح صفحة جديدة تكرّس الحريات الديمقراطية .

والحقيقة أن أزيد من خمس سنوات على نظام التوريث، بكل الفرص التي أتيحت، والعروض الإيجابية التي قدّمت من أطراف معارضة.. أكدت، بما لا يدع مجالاً للتردد أو التبرير، عجز النظام بنيوياً عن قيادة عملية إصلاح جدي، وأنه يستهين بالمعارضة، وينام على واقع ضعفها، وعلى فلسفته الأحادية، الإستئصالية، الاستبدادية . وبالتالي، ورغم أن مراهنات البعض لم تنته تماماً، لم يعد أمام الأطراف التي يعنيها وطنها، وما يتعرّض له سوى أن تلتقي لطرح مبادرة للتغيير، مفتوحة على المستقبل، والأطراف السياسية بلا استثناء .

5 ـ وبقدر ما فتحت الضغوط الخارجية التي تستهدف الوطن ، والنظام، بحدود ما، من فرص لتحقيق وحدة وطنية تعترف بمكونات الوضع السوري.. بقدر ما كشفت عن استعدادات النظام للتعامل معها بديلاً عن الساحة الداخلية . أي إمكانية عقد صفقة مع الولايات المتحدة تغني النظام عن أي ( تنازل) للشعب والقوى السياسية .

ومن جهة أخرى فإن الأخطار المحدقة بوطننا من جهة، وإمكانية الاستفادة من هوامش ونتائج تلك الضغوط من جهة ثانية.. وواقع الضعف والتشتت، من جهة ثالثة..دفعت قوى المعارضة لتجاوز التردد، والاشتراطات..وصولاً إلى اتفاق أولي ترجمه إعلان دمشق . دون التغافل عن حسابات، أو أوهام ما ، لدى هذه الجهة أو تلك، حول احتمالات تغييرية قادمة .

الإعلان في معادلة التغيير ..

يخطئ من يظن، أو يفكر أن بإعلان عدد من أطراف المعارضة الاتفاق على صيغة ما قد حدثت معجزة، أو مفاجأة تدخل هذه القوى معادلة التغيير، وبقوة وفاعلية يحسب حسابهما، أو تخلّ بميزان القوى راهناً..أو أننا على أبواب التغيير الجذري.. كما يحلم، أو يروّج البعض .

إن كل من يعي الأوضاع السورية بأطرافها، ومفاعيلها، والفعل الداخلي، والتأثير الخارجي.. قبل اغتيال الحريري وزلزاله، وقبل لجنة التحقيق، وبعد تقرير" ميليس" الأول، أو الثاني.. يدرك جيداً أن قوى المعارضة، بكل أطيافها، وهيئات المجتمع المدني، وبكل ما يمكن حشده وتجميعه ..ليست هي الطرف المرشح لفعل التغيير الآن، أو في الأفق اللحظي المرتقب..( وهذا وجه صارخ من مأساة الحالة السورية)..وبالتالي : فأصحاب الإعلان، كما أفهم، وأعي، لم يكن بواردهم أن يحمّلوا أنفسهم مسؤولية التغيير اللحظي.. وهذا واضح في لبّ الإعلان، وصلبه، ونقاطه. بل وفي ذلك الخلط والاختلاط في المهام، وشكل، وزمن، وقوى التغيير .

ويجب أن نعترف مسبقاً أن قوى المعارضة، حتى لو التقت إرادة كل أطرافها ومكوناتها، غير قادرة اليوم على قيادة فعل التغيير، ناهيك عن موقعها من معادل ميزان القوى .

الكل يعرف ويقرّ أن المعارضة : ضحية عقود الاستئصال والاعتقال والتغييب والقتل المنهّج والحصار، والمنع، والاعتقال، والمطاردة .. وضحية آليات فعل الأزمة داخل كل طرف فيها، وعلى صعيد العلاقات الجماعية فيما بينها، وفي علاقتها بالشعب، خاصة الأجيال الجديدة.. وهي، اليوم، ليست بمستوى التحديات الخطيرة التي يتعرض لها الوطن فتعمل على إنقاذه عبر التغيير الجذري للمسببات الرئيس.

وليست هي المرة الأولى التي تفوّت فيها قوى المعارضة ( فرصاً ذهبية) للتغيير.. فقد عرفت البلاد مآزق كثيرة، واختناقات كانت تبحث عن مخرج، وتضع التغيير بمصاف الإنقاذ الوطني، كما هو الحال اليوم، ولكن ضعف المعارضة.

أو لنقل : وسيلة، وفعالية التغيير الممكن لنظام أمني، عائلي، زبائني جعل جميع الفرص تتكسّر، وتنحصر باحتمالات ضيّقة : تغيير من داخل النظام تقوم به جهة فيه، أو تغيير بقوة الخارج، أو على ظهره.. بينما الاعتماد على تراكم النضالات الديمقراطية والمطلبية اصطدم على الدوام بآليات ( مملكة القمع) القادرة على قطع الأوصال، وتوجيه ضربات مؤذية للمعارضة.. تصل حد الشلل أحياناً

والحقيقة فإن الخلط في شعار إسقاط النظام ، بين كونه يستجيب للضرورات التاريخية، وتحصيل حاصل الوقائع والاستنتاجات، وحتى نضج مقومات التغيير، وبين القدرة على تنفيذه.. أدى إلى تفريغه واهترائه بفعل الزمن والعجز، فأسقط ضمنياً، وبرز بديله شعار : المراهنة على إصلاحات يقوم بها النظام قد تفتح الباب لتغيير متتال.. يضع بلدنا على سكّة الحريات الديمقراطية والتعددية..

والتي عرفت، بدورها، اختلاطات بين الأمنيات والأحلام، وبين فهم النظام ومرتكزاته، العاجز بنيوياً عن القيام بهذا المأمول من الإصلاحات .

ولهذا، فالمعارضة التي تعاني ويلات العقود، مثلما تعاني نتائج الأزمة العامة فيها، وتتجاوز معاناتها دواخلها إلى خزانها، واستنادها : الشعب .. الذي ما زال، بثقله، وكتلته الرئيسة، خارج دائرة الاهتمام بالعمل السياسي، وبالفعل المباشر..

بقدر ما كانت صادقة ودقيقة في طرح التغيير أفقاً، بقدر ما سبب لها ذلك الوقوع بالتناقض عبر دعوة النظام، وحزبه، أو أجزاء منه.. للمساهمة في التغيير، تارة، أو من خلفه، وبعيداً عنه.. تارة أخرى، أو بالاثنين معاً تارة ثالثة، كما يفهم من نقاط إعلان دمشق . وكأنه ليس بالإمكان الوصول إلى صيغة محددة.. بينما احتشم مرتبكاً وهو يتناول الدور الخارجي وتأثيراته .

ومع كل ما يمكن تسجيله من نقاط وملاحظات على " إعلان دمشق" ، وميثاقه.. يبقى مبادرة انعطافية، و خطوة تاريخية تكتسي أهميتها من خلال :

ـ تجاوز سنوات الخلاف والبعثرة والتشرذم وتبرير الضعف.. إلى فتح آفاق التعاون بين جميع مكونات الشعب السوري السياسية.. دون استثناء . بكل ما في هذه الخطوة من بعد تاريخي يتجاوز الراهن إلى رسم صورة سورية الغد التي تلتقي فيها التيارات القومية واليسارية والإسلامية والكردية والمسيحية، وغيرها من مختلف المكونات السياسية، والمجتمعية لإقامة نظام تعددي. نظام الانتماء لوطن واحد يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات ...

ـ إنه يؤسس للحوار سبيلاً إلى التعامل بين الفرقاء، والاعتراف بالآخر حقيقة يجب تكريسها، وللديمقراطية والتعددية نظاماً بديلاً للاستبداد والأحادية والشمولية. النظام الذي يطلق الحريات العامة، ويصون المواطنية.. وهو لا يستثني أحداً حين يدعو الجميع، بما فيهم حزب السلطة، أو بعضه، للإسهام في عملية التغيير نحو النظام الديمقراطي التعددي .

ـ الإعلان مبادرة أولية أكثر منه برنامجاً للتغيير الشامل . وبالتالي فإن ملاحظات الموافقين عليه جزء من عملية تطويره باتجاه تجاوز الثغرات، والانتقال من المبادرة، إلى الدخول في المعادلة .

ـ وإذا كانت ظروف أطرافه تجعلها دون قدرة القيام بفعل التغيير الراهن.. فإن اتفاقاً مفتوحاً على أفق التطورات يحمل في صلبه عوامل الانتقال من الضعف إلى التماسك، ومن الهامشية إلى طرح البديل ومحورة قوى شعبية ستتنامى حوله ..ليصبح طرفاً حيوياً في المعادلة السورية يمكنه أن ينتقل بها من حالة اليأس إلى صناعة الأمل الذي تتحلّق حوله كتل شعبية مرشحة للتزايد. وبالتالي فما من أحد يمكنه أن يصادر مستقبل الإعلان انطلاقاً من حيثيات الراهن، أو من خلفيات مسبقة .

ـ ومن المعلوم أن الوصول إلى هذه الوضعية رهن بعديد الممارسات، والتطورات..أساسها يرتبط بالعامل الذاتي، أي بمدى قدرته على ترجمة التوجهات، وتعزيز أواصر العلاقات بين أطراف متعددة، وتقديم النموذج عن التعايش ، وعن سورية الغد ، والاستفادة من الثغرات، والتراكمات في عمل تصاعدي ، ووفق خطط عملية مدروسة، مهما كانت صغيرة، ومتواضعة . بينما هناك ما يتصل بعوامل أخرى ( خارج الإعلان ) .

التحديات ....

هناك الكثير من التحديات التي تواجه " إعلان دمشق" ، كثيرها مرتبط به وبأطرافه، وأخرى بالنظام، ومسار التطورات .

1 ـ لنقل أن التحدي الأول يتعلّق بالقدرة على تطوير فكرة العمل المشترك بين مروحة من الأطراف المختلفة سياسياً، وأديولوجياً.. إن كان ذلك من خلال إعادة نظر بالميثاق، على ضوء الملاحظات التي قدّمت من المعنيين به، أو من خلال تفعيله توسعاً باستيعاب أطراف وشخصيات وهيئات لم تشارك فيه لهذا السبب أو ذاك بحيث يعبّر عن معظم أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج.. والانتقال من المبادرة إلى صياغة برنامج المرحلة بما يستجيب للتوجهات والمهات المتفق عليها .

2 ـ ولعل التحدي ( الداخلي) الأكبر يتعلّق بإثبات حضور قوى الإعلان في الساحة الداخلية . أي الانتقال من الاتفاق إلى ممارسة ما جاء فيه .

هنا، وكي لا نقع في مطبّ جلد الذات، ثم توزيع التهم والمسؤوليات، أو محاربة " طواحين الهواء".. فقوى الإعلان مطالبة بوضع خطة تحرك عملية تستجيب للضرورات المفروضة عليها من جهة، وبما يتناسب مع قدرات عملية قابلة للتحقق، مفتوحة الأفق من جهة أخرى.

إن أنظار الكثيرين تتطلّع إلى الخطوة التالية لما بعد الإعلان، وهذا يشكّل التحدي الأكبر، والامتحان الحقيقي الأصعب.. خصوصاً وأن عديد المتصيدين، المعادين، والمناوئين، والناقدين.. يتحينون الفرصة لإصدار أحكام نهائية ( صدر كثيرها بعيد الإعلان)..

وكي لا يصاب الإعلان، ومعه كل من أمل خيراً به، بالخيبة.. والفرقعة، أو الموت السريري.. يجب أن نشير إلى عدد من الملاحظات والمعطيات :

أ ـ إذا كان حماس البعض في الموافقة على الإعلان بتلك السرعة قد انطلق من حسابات خاطئة تخص احتمالات جرى تداولها عن مستقبل النظام السوري إثر مقتل غازي كنعان، وقبيل صدور التقرير الأول ل" ميليس"..والتي قد تشير إلى رجحان تغيير ما قادم..

فإن مثل هذا الحماس يصطدم بواقع التطورات من جهة، وبعدم فهم بنية النظام من جهة ثانية، وأفق التغيير وجوهره، وشكله، وقواه، من جهة ثالثة .

فتطورات الأوضاع تشير إلى نوع من الهدنة التي تدّخلت فيها أطراف عربية وإقليمية ودولية، بما أعطى النظام فسحة من الوقت للتنفس، ولملمة أوضاعه التي بدت مهلهلة، وقاب قوسين من الانفجار، ومحاولة ابتلاع، وتبليع عملية قتل غازي كنعان، ومضامين التحقيق وتوجهاته وزمن خواتمه : المحكمة ..وتلك الانعطافة التي قام بها النظام في خطاب رئيسه عن إمكانية الانتقال إلى موقع المجابهة بدلاً للمقايضة..بما يعني أن حلم التغيير لن يتحقق في زمن قصير، وأنه رهن بعديد التطورات الداخلية والخارجية .

وإذا ما تركنا جانباً رغبات البعض ومحاولة إسقاطها على الواقع.. فإن أي متفحص لطبيعة النظام السوري، وأطراف التأثير فيه وعليه.. يدرك أن أشكال التغيير، إن كان التغيير ناضجاً، ومقرراً ، ليس بيد أطراف المعارضة.. وأنه إما أن يأتي من أهل النظام، بطريقة، وأشكال ما، أو أن يأتي محمولاً من الخارج..أو بكليهما ..( آخذين بالاعتبار، وأثناء كتابة هذا المقال قنبلة، أو قنابل عبد الحليم خدام التي وإن أحدثت هزّة ارتدادية قوية تقوّض تكتيكات النظام للتهرب والتنصّل من جريمة اغتيال الحريري، وتسهم في فضح النظام.. فإنها، وعلى هذا الصعيد : صعيد أشكال التغيير، لا تضيف شيئاً مباشراً، اللهم إلا في تسريع نتائج التحقيق ).

وبغض النظر عن كلّ ما قيل حول الأسباب الحقيقية لمقتل غازي كنعان، وأنه كان على وشك الانقضاض .. وعن خلافات داخل أركان العائلة.. فإن غياب كنعان، وإعطاء النظام هدنة طويلة نسبياً يبدو وكأنه ينتقل من الدفاع إلى الهجوم المعاكس ( بواقع الدعم الإيراني، وواقع أزمة أمريكا في العراق، وواقع الساحة اللبنانية وتفاعلاتها، والوضع العربي..والدولي)..كل ذلك أسكت الحالمين برؤية تغيير قريب، وقد أصيب بعضهم بنوع من الصدمة، وبالانقباض، وردات الفعل اليائسة، الأمر الذي قد يترك ظلاله على قوى وفعل " إعلان دمشق"

أما التغيير المحمول من الخارج.. فإنه ، وإن احتاج إلى وقفة مطوّلة حول وضع الإدارة الأمريكية وما تواجهه في العراق المقاوم. فإن السؤال الذي ظلّ يطرح نفسه منذ أشهر تمحوّر حول : جوهر الموقف الأمريكي من النظام . أي : هل تريد هذه الإدارة إسقاط النظام السوري فعلاً ؟.. وإذا كان القرار خياراً وحيداً : كيف سينفّذ ؟ . هل يكون عبر الطريقة العراقية مثلاً؟ً ..أم عبر قصف جوي مركّز لبعض المواقع العسكرية والأمنية يكون مترافقاً مع حركة داخلية مرتّبة، أو متوقعة ؟.. أو الإسقاط على نار هادئة : بالاهتراء، وعبر عقوبات اقتصادية وسياسية ؟؟...

ـ أم أن الهدف تطويع النظام ليدخل بيت الطاعة الأمريكي تماماً ، شأنه شأن بقية الأنظمة العربية؟. وبالتالي : ما هو الثمن الذي سيقدّم للنظام ، وأين سيكون؟؟..

ـ أم أن اتجاهاً صهيونياً، ومتصهيناً يرى في هذا النظام، خاصة بعد وضعه في الزاوية المحلية، النموذج الأمثل لغد الوطن العربي، و" الشرق الأوسط الكبير" ؟؟؟..مع الأخذ بالاعتبار تواتر الأنباء عن رفض صهيوني لتغيير النظام، وضغوط تمارس على الإدارة الأمريكية.. خوفاً من بديل يقلب الطاولة ....

وفي كل الحالات فإن إعلان دمشق، بما هو النقلة المنتظرة لشكل العمل المعارض، ولصورة سورية الغد المتعايشة بكل مكوناتها، الديمقراطية..ليس حالة ظرفية، أو فقاعة احتمالية فرضتها توقعات آنية، أو أحلام ورغبات لم تتحقق . إنه البداية لعمل طويل من التغيير المتعدد الوجوه والمجالات في مختلف الجبهات والميادين.. وصولاً إلى إقامة النظام الوطني الديمقراطي الذي يجيء تتويجاً، ونتاجاً .

ب ـ لمنع الالتباس، والتناقض، والمراوحة، والخلاف اللاحق.. لابدّ من حسم كافة المراهنات على النظام وما قد يقدّمه من خطوة هنا، أو جزرة هناك .

ونعتقد أن خمس سنوات ويزيد كافية لمن راهن، أو أمل خيراً بإمكانية، أو رغبة، أو اضطرار النظام للقيام بخطوات إصلاحية تفتح الطريق لكسر الجمود والانسداد، وتفسح في المجال لمساهمة هذا الفريق، أو ذاك الطرف في العملية الديمقراطية .

وإذا كنا، مسبقا، نعي ما تعانيه المعارضة السوريةً من ضعف يفرض مناخاته عليها، وعلى تأثيرها، وقدرتها في بناء الأمل.. وبالتالي: تعلّق بعض أطرافها بآمال ما على النظام، أو على ضغوط خارجية قد تجبره على التنازل، وموقع الحالة الوطنية وما يتعرّض له بلدنا من ضغوطات قد تصل حد الاحتلال، ومعادلة : الوطن ـ الضعف ـ الخارج ..

فإن بقاء المراهنات( خاصة كانت أم عامة) ستترك أبلغ الأثر على فعالية ووحدة ومستقبل إعلان دمشق، وقد تقود إلى تجميده، أو فرقعته.. الأمر الذي يتطلّب من جميع أطرافه حسم أية مراهنة بشكل قاطع ونهائي . أو على الأقل : عدم الانفراد بموقف يطال العلاقة مع النظام عبر توحيد الرؤى والتكتيك والمواقف .. لما فيه خدمة العمل المشترك، ومستقبل الديمقراطية في بلدنا .

ج ـ إن جهات محسوبة، أو يفترض أن تكون محسوبة على المعارضة.. تشنّ حملة ضارية على الإعلان: ميثاقاً، وأطرافاً، وخلفيات.. ونوايا..

بعضها يتخذ من اللقاء مع الإخوان المسلمين ، أو من بعض بنود الميثاق دريئة، بينما يذهب فريق آخر إلى مدى بعيد في كيل الاتهامات عن علاقات بالخارج، وعن اتساق وتناغم بين توقيت الإعلان وبين ( ما تشهده سورية من ضغوط خارجية)، والقيام بعملية خلط واعية ومقصودة بين النظام وحدود مسؤوليته في الذي يجري، بما في ذلك تهمة التورط باغتيال الحريري وما تلاها من اغتيالات ، وبين سورية الوطن ..

هذه الأطراف، وبغض النظر عن لوثات معروفة الخلفية، والارتباط، تلهث خلف أية هفوة، أو ثغرة للنفخ فيها واستخدامها .. وقد شكّل الإعلان بصيغته التي نشر فيها ، وبما تضمنه من غموض والتباس وتناقض وتداخل..أرضاً خصبة للصيد، والاستثمار وإطلاق الأحكام . الأمر الذي يضع قوى الإعلان في مواجهة ليس الخصوم المعروفين، وفي أولهم النظام وما يمكن أن يقدم عليه وحسب..وإنما تلك الحالات التي قد يكون ضررها أكبر، بالنظر إلى دوائر توجهها وتأثيرها .

د ـ قوى الإعلان مطالبة أساساً ليس بالصمود فيما بينها وحسب، أو بإعادة النظر في الميثاق فقط، وإنما أيضاً : بوضع نظام داخلي يحدد الهيئات والصلاحيات ، وينشئ اللجان الداخلية والخارجية اللازمتين . وتمتين علاقاته بالمزيد من الحوار، والتفاعل الداخلي الصريح والبنّاء.. وصولاً إلى مهام قابلة للتنفيذ . مهاماً لا تقعده في براد الانتظار والتراجع من جهة، ولا تلقي به إلى شعارات كبيرة ينوخ بها من جهة مقابلة .

إن واقعية المهام ، والثبات على إنجازها، مها كانت صغيرة، ومراكمتها للبناء عليها دون تقطّع..تضع قوى الإعلان على طريق الفعل المتصاعد، مسلحاً بالمصداقية، والثبات، وصناعة الثقة والأمل .

ه ـ كثيراً ما يلعب الخارج أدواراً مهمة، واستثائية في ظروف معينة . وبالنظر إلى العدد الكبير من السوريين المنتشرين في العالم، وإلى وجود إطارات مهمة من الراغبين في إسهام جاد بنقل الوطن إلى الديمقراطية..

فإن الخارج مطالب بإسناد الداخل في مجالات حيوية عديدة، الأمر الذي يستوجب إنهاض الأشكال المناسبة ، ووضع مهات عملية ترفد الداخل، وبالتنسيق معه، ومع ما يطلب .

و ـ ومن التحديات الكبرى : الحالة الشعبية ومدى قابلياتها على الحركة، والتعاطي مع المعارضة..

الكل يتفق على ما أصاب الشعب من فعل منهّج أخرجه من دائرة الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسي، وحالة اليأس والإحباط، والاهتمام بالشأن الخاص.. والعزوف عن المعارضة، وعن المطالبة بالحد الأدنى من الحقوق المطلبية أو الديمقراطية.. وحدود الثقة بالمعارضة، وموقع الأمل بالتغيير، ناهيك عن محتواه .. ومدى قدرة النظام على تجييش العواطف وخلط الأوراق بينه وبين وطن يقع في دائرة الاستهداف الخارجي ..

الكل يعي صعوبات إحداث نقلة نوعية في الحالة الشعبية : بشروطها، ومناخاتها ومسالكها..

لكنها، وبقدر ما تبدو صعبة، ومعقدة، ووئيدة.. بقدر ما تحمل المفاجأة .. ليس لأن حركة الشعوب لا تحسب بالورقة والقلم فقط.. بل، وأساساً، لأن بلدنا مرشح لتفاعلات كبرى.. سيصبح فيها التغيير ضرورة ، ومهمة وطنية تحتاج جهد الجميع .والشعب السوري ، رغم عقود الموات والخوف المعمم والهامشية والتهميش، هو شعب حيوي، مثقف، تواق للحرية، والمشاركة، وتجاوز الآلام والصعاب.. حينها فإن ( كرة الثلج) التي تتشكل منذ بضع سنوات ستعرف تطوراً نوعياً قد يتجاوز حسابات وتوقعات وقدرات المعارضة ..

3 ـ التحدي الآخر : الكبير، والخطير محوره النظام ..

أوجه التحدي كثيرة، ومتداخلة.. بدءاً بما يملكه النظام من قدرات كبيرة يوظفها في معركة يعتبرها مصيرية ، ووقوفاً عند استخدام المشروعات الخارجية التي تستهدف البلد .

الذي لا شكّ فيه أن النظام يستند إلى جملة من العضائد الداخلية، إن كان في قاعدته الشعبية ـ السياسية، أو في قوة أجهزة الأمن وتشعبها، وسيطرتها ، وفي ركائز استناده : الأمني، العائلي، العسكري، والطائفي ، إن لزم الأمر جهاراً، أو في خبراته، أو قدراته كنظام يتحكّم بلقمة المواطن ، أو بعلاقاته الجوارية والإقليمية ، والتي يبدو أنه ، وعبرها، يمسك بالوضع الداخلي . أي يمنع الانهيارات المحتملة، و يقطع الطريق على التغيير ..

ولعل أبرز محاور هذه التحديات تتمثّل في :

1 ـ عملية الخلط بينه وبين الوطن ، وقدرته على توظيف الضغوط الخارجية عليه، وعلى البلد باستغلال الوطنية السورية، والعواطف الشعبية العفوية، ومعها معظم القوى القومية العربية، والإسلامية .

والحقيقة أن استخدام، أو صناعة المؤامرة الخارجية للاتكاء عليها.. ليست جديدة على النظام إذ رافقته منذ بداياته، وشكّلت الغطاء لإدامة قوانين الطوارئ، والأحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية، الميدانية.. كما كانت السيف الذي قطعت به رقاب الآلاف، وحوربت عبره قوى المعارضة، مثلما استخدم شماعة لتبرير تأجيل، أو بطء الإصلاحات.. ولتوزيع الاتهامات بالجملة على كل من يعارض سياسات النظام .

اليوم، وعلى ضوء النتائج المفترضة للجنة التحقيق الدولية، وتداعياتها، وشبكها بالمشروع الخارجي .( خاصة إذا لم ينجح في عقد صفقة مع الأمريكان).. فإن الأمور مرشحة للتصعيد. وسيعمد النظام إلى تهييج الحالة الشعبية، وتصدير الوطن لواجهة الاستهداف.. وسط صخب الشعارات والتصريحات، وشهادات حسن السلوك من جهات داخلية وعربية وعالمية كثيرة..

الأمر الذي يضع قوى إعلان دمشق أمام خيارات صعبة : فإما إعلان الالتحاق بالنظام.. خوفاً على البلد ودفاعاً عنه، أو حرجاً.. وإما حصارها وعزلها..مع الأخذ بالاعتبار سيل الاتهامات التي قد تنهال عليها.. والتي لن تكون أخفّ من عيار : الخيانة، والعمالة والارتباط بالخارج.. أو التقاعس والخنوع لمخططات الإمبريالية ..بما يستدعي بذل جهد كبير لتوضيح التخوم، وتحديد الموقع الصحيح الذي يستجيب للتحديات .

2 ـ احتمالات القيام بحملة اعتقالات واسعة بغية كسر ظهر إعلان دمشق تحت وهج شعار : مجابهة الخطر الخارجي ..

ونحن نعرف أن نظم الاستبداد الشمولي لا تتورع في حالتي الضعف والقوة عن ضرب خصومها الداخليين. إما خوفاً من أن يشكلوا خطراً ما عليها، أو تكريساً للأحادية .

في المقابل ، وربما بالترافق مع اعتقالات واسعة تستهدف من يعتبرهم الأكثر تطرفاً وتصلباً في المعارضة،( وربما اغتيال البعض)، أن يقوم ببعض (التنازلات) التي ترمي إلى تقريب بعض المعارضين وإغوائهم بالتعاون معه، وبهدف شقّ وحدة المعارضة وكسر ظهر إعلان دمشق .

3 ـ وإذا كانت جميع المعطيات تؤشر بشكل قاطع إلى انتفاء تكرار " سيناريو" العراق.. لأسباب كثيرة، ليس التورط الأمريكي في المستنقع العراقي سوى أبرزها، فإن عروضاً أخرى مرشّحة للعمل قد تقوم بها الولايات المتحدة، أو "إسرائيل".. تجعل من عملية خلط الأوراق أشد تعقيداً، والتي قد تترك آثارها الثقيلة على حركة وفعل إعلان دمشق.. كعمليات قصف بعض المواقع السورية، أو اتخاذ عقوبات اقتصادية وسياسية..أو تصريح من هنا، وآخر من هناك .

4 ـ جميع المؤشرات تدلّ على أن استحقاقات كبرى يتوجب على النظام دفعها..بما يطرح احتمالات ثلاث :

أ ـ إقدام النظام على تلبية جزء من مطالب المعارضة.. بموافقته، مثلاً، على مصالحة وطنية، وعفو عام..وسماح مشروط بالعمل الحزبي، وتراخي القبضة الأمنية، والتخفيف من ثقل قوانين الطوارئ، أو تقييدها..دون الوصول إلى الإقرار بالتعددية، وبإطلاق الحريات الديمقراطية، وبقبول التداول على السلطة .

وبرغم أن بنية النظام هي على النقيض من الإقدام على هذه الخطوات.. فإن وصول الضغوط الخارجية إلى مستوى الخطر الذي لا مهرب منه، ولا مقايضة معه.. قد تدفع إلى ذلك بطريقة ما .

ب ـ احتمال القيام بتغيير داخلي فيما يشبه الانقلاب.. يقوده الرئيس على حلقته الضيقة، وربما على عدد من المقربين والنافذين وتصويرهم كعقبة.. ( وهذا مستبعد) . أو أن يقوم أحدهم ، أو عدد من المؤسسة الحاكمة بالتخلص من العائلة الحاكمة تحت شعار : تخليص البلد من مسببات الضغط عليها..وهو احتمال قد يراود ذهن الكثيرين الذين يعرفون مبلغ المخاطر المحدقة بالنظام كله، وبقواعد استناده، وبالبلد عبره..وهذا بغض النظر عن مدى قابلية النجاح .

ج ـ تغيير محمول من الخارج : وهو واحد من الاحتمالات التي تطرحها بعض الأوساط، وإن كانت حيثياته مبهمة..أو يركب على الخارج .

معظم المهتمين بالشأن السوري مجمعون على أن أمريكا الغارقة في وحول العراق لن يكون بمقدورها، حتى لو اقتنعت، احتلال سورية وإسقاط النظام بالقوة العسكرية..ويردد الوسط المقتنع بجدية النوايا الأمريكية بتغيير النظام..أنها تعمل بالنفس البطيء. أي إسقاطه بالاهتراء عبر الضغوط المتلاحقة، وفعل الإجراءات التي ترتسم في أفق مجلس الأمن الدولي.. دون أن يستطيع أحد تحديد الكيفية التي سيتم فيها الإسقاط . ( على فرض الوصول إلى مرحلة الاهتراء، ووجود قرار بالإسقاط) .

في هذه الاحتمالات المطروحة لم نتعرض لاحتمالين قائمين :

أ ـ الوصول إلى صفقة كبرى مع النظام..على الطريقة الليبية، أو غيرها..يسلّم فيها تسليماً كاملاً. وحينها ستأخذ المواجهة معه سبيلاً أوضح .

هذا الاحتمال يستبعده كثير ممن يعتبرون أنفسهم من العارفين ببواطن السياسة الأمريكية..انطلاقاً من أن الإدارة الحالية رفضت، وترفض جميع دعوات وعروض النظام لعقد اتفاق معها، بما في ذلك عروض ووساطات نظم التسول والتوسل التي حاولت لأشهر تليين الموقف الأمريكي ولم تفلح فانتقل معظمها إلى الخندق الآخر ..

كما يحضر ملف اغتيال الحريري بقوة هنا. حيث من المؤكد أن عديد الأطراف الدولية، خاصة المهتمة بالملف السوري ( الولايات المتحدة وفرنسا خصوصا)، وبعض الدول العربية ( السعودية ومصر) متأكدة من تورط النظام السوري بجريمة الاغتيال. والتورط يتجاوز جهاز الأمن إلى الرئيس مباشرة.. وبما يستلزم دفع فاتورة مستحقة...دونها، وحينها ثمن كبير على النظام تقديمه.

ب ـ لجوء النظام إلى رفض نتائج التحقيق.. وما يستتبع من محاكمة دولية ..وهنا سيصعّد مواقفه فيما يعتبره حرب المواجهة، وليس الممانعة فقط .. وستكون إيران حاضرة للدخول على الخط، وكذا حلفاء النظام، خاصة حزب الله ..

إن حلفاً قديماً، مكيناً يجمع النظام بإيران..وهو مدعو لإثبات فعاليته ، خاصة إذا ما وضع النظام أمام الجدار..وستكون لبنان الساحة الأكثر ترجيحاً لمواجهة مفتوحة .

هنا، ومع الأخذ بعين الجدية كل ما كتب وقيل عن رفض" إسرائيل"، ومعها المنظمة الصهيونية العالمية، خاصة "إيباك" في الولايات المتحدة.. تغيير النظام السوري الحالي.. وما تمارسه من ضغوط، وتقديم نصائح للإدارة الأمريكية، انطلاقاً من تقديرات تقول : أن نظاماً ضعيفاً، متهاوياً أضمن من تفجير برميل بارود سيحمل قوى راديكالية إلى الحكم..قوى إسلامية وقومية ستكون شديدة العداء "لإسرائيل" وأمريكا ..وأن الاستجابة لهذا الاتجاه قوية في وزارة الدفاع ( البنتاغون)، وفي المخابرات المركزية، بينما هناك آراء أخرى حول بوش

وفي جميع الحالات، وإذا كان " مشروع الشرق الأوسط الكبير" ليس مجال بحثنا.. فإنه يحضر هنا بأفقه الاستراتيجي، واختلاف الرؤى حوله بين خط أمريكي يمثل احتكارات النفط والمال..وخط متصهين ينبثق من حقد تاريخي، وفكر اديولوجي يرى في التفتيت وسيلة أفضل للسيطرة على المنطقة، وضمان هيمنة صهيونية عليها..

ونعرف أن أخطر أنواع التفتيت ذلك الذي يقوم على أسس طائفية ومذهبية، فعرقية. والعراق تجربة ميدانية مرعبة.. وما يقال عن ( القوس الشيعي) احتمال وارد في أفق التحالفات والمكونات من إيران إلى العراق إلى سورية ولبنان ..

بقي أن نقول : أن النظام، وفي جميع الحالات، يراهن على عامل الوقت كسياسة تؤتي ثمارها. فالمماطلة تمنحه فرصاً لصد الهجمات وتكسيرها، أو ارتخاؤها، وقد تحمل معها معطيات جديدة.. كما أن انتخابات فرنسية لرئاسة، وأخرى أمريكية في الكونغرس، وبعدها لرئاسة..يمكن، كما يعتقد، أن تأتي بتغييرات لصالحه.

هذه التحديات تفرض نفسها على قوى إعلان دمشق لأخذها بالاعتبار وهو يصوغ مهامه العملية، وهو ينتقل إلى ميادين التنفيذ.. ثم وهو في مشرحة النقد، وعلى طاولة التقويم..

- اسرار العلاقات السورية ـ السعودية علي ضوء انشقاق خدام الاخير: د. محمد عجلاني... القدس العربي

العلاقات بين دمشق والحجاز علاقات قديمة جدا ولو عدنا اليها من تاريخ الامويين وعثمان بن عفان وتجارة ابو سفيان مع الرومان لوجدناها علاقات قديمة جدا، بدأت بالتجارة وما زال يغلب عليها الطابع التجاري المالي، ولو استعرضنا تاريخ

سورية الحديث لوجدنا ان اول ملك نصب علي سورية اتي من الحجاز ولوجدنا ايضا ان الملك عبد العزيز مؤسس المملكة السعودية كان يستعين بعائلات سورية لمساعدته في ادارة الحكم، كما فعل ذلك الملك عبد الله الاول ملك الاردن، وما زال من بين ابناء هذه العائلات من يشغل مناصب دبلوماسية حساسة في سفارات المملكة العربية السعودية المنتشرة في الخارج.وساهمت السعودية مع مصر بدعم حكم شكري القوتلي في سورية، وفي عودته الي الحكم مرات عديدة، كذلك ساعدت انقلاب الشيشكلي عام 1954 وحاول الملحق السعودي العسكري في بيروت ارجاع الشيشكلي الي الحكم في دمشق ولكن جهوده باءت بالفشل.

وكان للسعودية دور في الانفصال الذي تم بين سورية ومصر عام 1961، وساءت العلاقات السعودية السورية في عهد حكم الدكاترة الاتاسي وزعين وماخوس، لتعود من جديد الي عصرها الذهبي مع وصول الرئيس الراحل حافظ الاسد الي الحكم وانفتاحه علي الرياض التي انقذت حكمه ماليا من عدة ازمات اقتصادية عن طريق دعمها لليرة السورية او شراء احتياطي العملة الصعبة وضخها في دورة الاقتصاد السوري.

كان ذلك خصوصا في عام 1985 اثناء ذروة الازمة الاقتصادية السورية.وتشكل النظام الاقليمي الجديد بعد وفاة عبد الناصر من ثلاثة اقطاب، السعودية، مصر، سورية، كان الرئيس السوري الراحل يراعي الحساسية السعودية وينسق امينا مع السعوديين ان كان في لبنان او في اماكن اخري ودفع ثمن هذا التنسيق قادة الاخوان المسلمين في سورية وكذلك المعارض السعودي ناصر السعيد الذي اختطف من بيروت ولا احد يعرف اين هو حتي الان.وشمل هذا التنسيق السعودي ـ السوري لبنان حتي ان مؤتمر الطائف الخاص بالمصالحة اللبنانية عقد في مدينة الطائف بالسعودية في عام 1990، وكان هناك تنسيق امني سوري برئاسة المرحوم غازي كنعان، وتنسيق مالي اقتصادي برئاستي المرحوم رفيق الحريري والوليد بن طلال.

والان السؤال المطروح هل اختفي هذا التنسيق او زال مع مقتل الشهيد رفيق الحريري، وهل نحن امام مرحلة جديدة من العلاقات السعودية ـ السورية؟الجواب، لا، بالطبع خفت حدة هذه العلاقات بسبب الانسحاب السوري من بيروت، لكن النظام السعودي لا يهمه ابدا قلب النظام في سورية بقدر ما يهمه معرفة قاتل رفيق الحريري ابن وصهر السعوديين. والسعودية تتعامل الان مع النظام السوري الابن بمعيار مختلف عن النظام السوري الاب، لم تعد هناك استشارة بين الجانبين، وانما هناك نصائح ملزمة من الرياض لدمشق، افعل هذا او ذاك واياك من هذا او ذاك والا...؟قرار الانسحاب من لبنان اتخذ في الرياض عندما أُخبر الاسد بان لا مفر من ذلك الامر والا العواقب ستكون وخيمة.بالطبع لن يقلب خدام طبيعة هذه العلاقات، وان كان في البداية شعر بذلك، الا انه عاد واستدرك ان طبيعة هذه العلاقة اقوي مما يتوقع، لان الانظمة العربية اليوم متجنزرة ومتضامنة مع بعضها البعض مثلها مثل البنيان المرصوص، فهي ذات طبيعة واحدة وتنهل من نفس المصدر، والاهم من هذا وذاك ان معلمها واحد، فان اختلفت هذه الانظمة ، فالاختلاف يكون في التفاصيل، لكن هناك تفاهما علي الخطوط العريضة.

واذا كان السوريون يعتقدون بأن هذا النظام العربي او ذاك سيساعدهم علي قلب نظام حكمهم فان املهم سيكون مثل امل ابليس في الجنة، كل ما يجب ان يطلبه السوريون من هذا النظام او ذاك ان يقف علي الحياد، ولكن هيهات ان يفعل ذلك، لان المعلم كما اشرنا واحد للجميع، وهو الذي يأمر متي وكيف سيسقط هذا النظام او ذاك، وحمي الله سورية من كل شر.ہ كاتب من سورية يقيم في باريس