استبدلت شعارات الاشتراكية بأخرى عن التطوير والتحديث سوريا تعج بالعاطلين عن العمل والمصانع المغلقة ايلاف "اليد المنتجة هي اليد العليا في الدولة والمجتمع"... و"لا حياة في هذه البلاد إلا للاشتراكية"، من أبرز الشعارات التي كانت مرفوعة عاليا في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، حتى أنها طبعت ورسمت على جدران المصانع والمعامل التي انتهى بعضها مؤخرا للاغلاق عبر مراسيم جمهورية أصدرها الرئيس السوري بشار الأسد بسبب الخسائر المالية التي أنزتها بالحكومة. في تلك الحقبة، طرحت القيادة الحاكمة شعارات الاشتراكية، ولكن آثر عدد من المسؤولين إهمالها مع إبقائها مرفوعة في لافتات بخطوط وألوان على أسوار معاملهم على أمل ألا تصل حملة مكافحة السفاد إلى ذقونهم، بعد أن تأخر آنذاك مثول أي وزير أمام مجلس الشعب.

وكانت المرة الأخيرة التي حجبت فيها الثقة عن وزراء سوريين خلال ولاية حكومة عبد الرؤوف الكسم في الثمانينات وهم وزراء التموين والصناعة والإنشاء والتعمير والزراعة، واستقالت الحكومة بعد ذلك. إلى أن وصلت حملة مكافحة الفساد في التسعينات إلى رئيس الوزراء محمود الزعبي وانتحر على خلفية توجيه تهم بالفساد له ولنائبه سليم ياسين ووزير النقل مفيد عبد الكريم، فاستبشر السوريون خيرا. ولكن ماذا حصل فيما بعد ؟

في حقبة الرئيس بشار الأسد، برز اهتمام عدد من مدراء المصانع والمعامل السورية بدهان وطلاء الشعارات، دون تغيير على الصعيد العملي، فغيّروا العبارات الاشتراكية التقليدية – وإن أصر آخرون على التمسك بها – ووضعوا العبارات الجديدة التي تدور في فلك "التطوير والتحديث".

وكذلك الأمر، ظل العديد من المسؤولين السوريين يرفعون شعارات التطوير والتحديث تعبيرا عن ولائهم للنهج الرئاسي الجديد في سوريا. ومن وفرة التطوير والتحديث الذي قاموا به، على "طريقتهم الخاصة"، ودون اي أداء عملي في مجال التحديث، تسببوا في إغلاق مصانع ومعامل لأنها أنزلت خسائر بمليارات الليرات في سوريا، وأغلقت بمراسيم من رئيس الجمهورية انطلاقا من كونسروة جبلة حتى كونسروة درعا.

كانت الخسائر بالمليارات باعتراف رئيس الحكومة، ولكن لم تطرح أسئلة واضحة حول الأسباب التي أدت إلى هذه الخسائر – أسباب إدارية أم غياب الخبرات.. أم الفساد وهو الملف المفتوح حتى من قبل البعثيين أنفسهم.. أم أن المدراء اضاعوا أوقاتهم في عملية طلاء ودهان الشعارات دون وعي حقيقي أن هذه الشعارات بحاجة لعمل فيما بعد ؟

أرقام تتكلم وللتذكير أعلن العام الماضي عن خسائر كبرى للشركة العامة للأسمدة في سورية، والتي لها في ساحة العمل منذ 27 سنة، ان هذه الشركة قضت 19عاما من الخسائر التي بلغت خمسة مليارات و383 مليون ل.س، وثماني سنوات رابحة وإجمالي ربحها بلغ حوالي 3 مليارات ليرة سورية.

كما قالت صحيفة "تشرين" الرسمية العام الماضي ان " المؤسسة العامة للصناعات النسيجية طالبت مؤسسة "سندس" لتوزيع المنتجات النسيجية بديون مستحقة الدفع تقدر قيمتها بحدود 1.41 مليار ل.س بينما اعترفت سندس بديون مستحقة الدفع تصل قيمتها الى 544 مليون ل.س وان المبلغ المذكور سابقاً عبارة عن فوائد التأخير على أصل الدين الذي قامت شركات المؤسسة النسيجية بإضافته على الأصل".

وأضافت "تشرين" ان "مؤسسة سندس تعاني من نقص السيولة وذلك بسبب رصيد الديون القديمة وضعف رأسمال المؤسسة المدفوع رغم زيادته الى 190 مليون ل.س في عام 1999 اسمياً، علماً بأن المسدد أصلا من رأسمال بحدود 132 مليون ل.س".

كما أن رئيس الحكومة ناجي عطري أعلن، خلال أعمال الدورة الثامنة للاتحاد العام لنقابات العمال، أن " خسائر شركات القطاع العام الإنشائي والصناعي وصلت إلى 62.5 مليار ليرة سورية"، وتابع "برغم التطور الذي تحقق في الإنفاق الاستثماري حيث وصل الإنفاق الفعلي خلال العام الجاري (2004) إلى 160 مليار ليرة إلا أن القطاع العام لم يعد يحتمل نزيفاً مستمراً ودون مردود اقتصادي، ولا بد من دراسة أية عملية استثمارية، لهذا تم وضع موازنة احتياطية للمشروعات التي تقترحها أية وزارة أ ومؤسسة وتحقق جدوى اقتصادية وريعية ربحية موثوقة".

ومن الحالات الجديدة الواضحة على خسائر القطاع العام في سورية ما أعلنه وزير الصناعة السوري الذي قال إن " شركة بردى عليها ديون بقيمة 200 مليون ليرة، و100 مليون لا تحل مشكلتها، إذ إن أكثر من 320 مليون ليرة سرقت من الشركة، ولا يمكن إعفاؤها من ديون سابقة".

وهكذا تحول الفساد ، من عمق تجزره في سوريا ، إلى أسطورة اغريقية ينسج حولها القصص. وليس أدل على الفساد أن صاحب فرن لصناعة الخبز يطعم عائلته من "خبز التنور" أي انه لا يخاطر ويطعمهم من خبز فرنه لأنه يعلم أنه يقدم للمواطن العادي خبزا بقيمة غذائية قليلة، وربما بلا قيمة غذائية.

ملايين العاطلين رغم الشعارات المعلنة، كانت شريحة الشباب في سوريا هي الخاسر العلني الأول، وهذا باعتراف هيئة تخطيط الدولة. تقول هيئة تخطيط الدولة في سوريا إن حجم قوة العمل ارتفع بمعدلات عالية خلال العقدين الأخيرين، إذ ارتفع من 4 ملايين عام 1994 إلى نحو 5 ملايين عام 2004 وتضيف الهيئة في تقرير حديث لها :"وتترافق هذه الزيادة في تنامي قوة العمل السورية بارتفاع معدلات البطالة التي قدرت بنحو (12,3%) عام 2004 مقابل (8,2%) عام 1999 ، وتبدو هذه الظاهرة السلبية فارقة حين يتبين أن غالبية العاطلين عن العمل (78%) لم يحصلوا على عمل من قبل، وأن نسبة الشباب (15- 24 سنة) من مجموع العاطلين تصل إلى نسبة (70%)".

ويرجع ارتفاع البطالة في سوريا لعوامل عديدة، تحددها هيئة تخطيط الدولة: " الضغط السكاني تدهور قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص العمل، فبعد أن كان يوفر قرابة (200) ألف فرصة عمل في المتوسط سنوياً في الفترة المتراوحة بين 1990 و1995 لم يعد يقدم إلا 160 ألف فرصة عمل سنوياً بين 1999 و2003 ، وهذا مرتبط بتراجع الاستثمار".

واللافت في تقرير هيئة تخطيط الدولة هو تعليق الآمال على ما يسمى بـ"الخطة الخمسية العاشرة في سوريا" والتي تهدف إلى تخفيض نسبة البطالة من 12% عام 2005 إلى 8% عام 2010، وتشير الهيئة إلى أن ذلك يحتاج إلى رفع نسبة الاستثمار إلى 30% خلال فترة الخطة. وبات من المعروف أن رفع نسبة الاستثمار الآن مرتبط بمناخ سياسي " مستقر" تنقشع فيه غيوم الضغوط على دمشق بحيث تتشجع المزيد من رؤوس الأموال العربية والأجنبية للقدوم إلى سوريا.

وأمام أرقام خسائر الشركات السورية، وأرقام حجم البطالة "المخيفة" في سوريا والتي تبتلع شريحة الشباب، بات من الضروري جدا الانتباه إلى أهم شريحة سورية: الشباب. وهي شريحة غابت عن البرامج كما يبدو والأرقام خير دليل على ذلك بانتظار ما سينتج عن الخطة الاقتصادية المعلنة. كما أن المعارضة لم تهتم حتى اليوم بهموم الشباب السوري وخير دليل أن هناك من يصف قادة المعارضة بأنهم " حرس قديم " لتقدمهم في السن وعدم إفساحهم في المجال للجيل الجديد ليشاركهم العمل السياسي.