اعتبر اخصام رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع أو بالأحرى منافسوه اشارته بعد وفاة النائب الدكتور ادمون نعيم الاسبوع الماضي الى الهوية القواتية لمقعد الراحل دليل خوف من خوض معركة الانتخابات الفرعية المرتقبة في دائرة بعبدا - عاليه والتي قد لا تكون نتائجها في مصلحته نظراً الى التطورات السياسية المتنوعة التي شهدتها البلاد في الشهرين الماضيين وفي مقدمها التصدّع او بالأحرى الطلاق بين الزعيم الدرزي الابرز النائب وليد جنبلاط والثنائي الشيعي ممثلاً بـ"حزب الله" وحركة "امل".

واعتبر مناصرون له ومؤيدون الاشارة نفسها دليلاً على وجود رغبة لديه في تلافي معركة جانبية قد تكون لها آثار مدمرة على مسيرة استعادة اللبنانيين الدولة الحرة والمستقلة والسيدة، وفي الوقت نفسه على وضع المسيحيين في البلاد الذي يستقطب "التيار الوطني الحر" بزعامة العماد ميشال عون غالبيتهم والذي تمثل "القوات" مع شخصيات واحزاب مسيحية اخرى القسم المتبقي منهم.

واعتبروها ايضاً جزءاً من المعركة التي لم تتوقف يوماً بين "التيار" و"القوات" حاول بواسطتها اقناع المسيحيين عموماً والناخبين منهم في دائرة بعبدا - عاليه بأنه لا يسعى الى معركة بل الى ابقاء الوضع التمثيلي في هذه الدائرة على حاله في انتظار الانتخابات العامة التي يفترض ان تجرى في صيف 2009 هذا اذا لم تفرض التطورات التي قد تحصل تقديم موعدها. واذا نجح في ذلك يكون حافظ على مقعد "قواته" الذي شغر بوفاة الدكتور نعيم. اما اذا اخفق فان الرأي العام المسيحي قد يضع المسؤولية على "التيار" الأمر الذي يفقده اصواتاً مسيحية في الدائرة المذكورة ويزيد فرص فوز المرشح القواتي الذي لم يحدد بعد رغم ان "ملامحه" صارت واضحة.

هذا عن "القوات" وقائدها الدكتور جعجع. ماذا عن "التيار الوطني الحر" وزعيمه العماد ميشال عون؟

كشف هذا "التيار" بعد ساعات من انتقال النائب نعيم الى جوار ربه وقبل مراسم تشييعه الى مثواه الاخير رغبته في خوض معركة انتخابية حقيقية في دائرة بعبدا – عاليه مدفوعاً الى ذلك بعوامل عدة. منها اقتناعه بأن المقاعد المسيحية بل المارونية في تلك الدائرة كانت من حقه في الانتخابات العامة ربيع 2005 نظراً الى حصول مرشحيه على ما يرواح بين 60 و70 في المئة من اصوات الناخبين المسيحيين فيها. واقتناعه ايضاً بأن الفرصة الآن صارت متاحة امامه لاثبات حجمه التمثيلي وشعبيته هناك وخصوصاً بعدما "انفخت الدف" بين حلفاء الأمس الذين تسببوا بهزيمته في تلك المنطقة من جبل لبنان الأمر الذي ادى الى تفرقهم .

واقتناعه اخيراً بأن معركة انتخابية رابحة في بعبدا – عاليه في ظل التطورات السياسية الداخلية المعروفة لا بد ان تساعد في اقامة تحالف سياسي بينه وبين "الحليف السابق" للقوات وللغالبية النيابية اي ثنائي "امل" و"حزب الله". وتحالف من هذا النوع لا بد ان يمكّن عون من تحقيق طموحاته السياسية الدفينة التي لا يخفيها رغم تأكيده انها لا تسيّر حركته السياسية وتأمين ظروف ملائمة لتنفيذ برنامجه السياسي الذي فيه الكثير من المعلن كما فيه الكثير من المضمر على جاري عادة كل اللبنانيين.

طبعاً لا يرمي هذا الكلام الى اتخاذ موقف سلبي او ايجابي من "الشقيقين اللدودين"، "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية". بل يرمي الى تذكيرهما وتذكير كل الاطراف السياسيين في البلاد بالديموقراطية التي يشهر الجميع ايمانهم بها يومياً.

والديموقراطية تعني من جملة ما تعني انتخابات. أي العودة الى الناس والاحتكام اليهم وان في انتخابات فرعية بعد نحو ستة أو سبعة أشهر من الانتخابات العامة. ولذلك لا يمكن التمسك بمبدأ ان الفريق الذي كان صاحب مقعد في مجلس النواب شغر بالوفاة او بغيرها يمكن ان يفرض او حتى ان يطلب من منافسيه المحافظة على هوية هذا المقعد. كما لا يمكن التمسك بأن فريقاً يمثل دائرة معينة رغم خسارته اياها في انتخابات عامة بحجة انه يمثل غالبية مسيحييها الذين يشكلون غالبية الناخبين، فالتحالفات بين الاحزاب والشخصيات أمر مشروع في الانتخابات. وهي التي تجعل الفوز ممكناً وكذلك الخسارة.

وفي اي حال تشكل الانتخابات الدورية كل اربع سنوات اجمالاً واحياناً في وقت "ابكر" في الديموقراطيات العريقة دليلاً على ان مواقف الناخبين قد تتغير الأمر الذي يؤدي احياناً كثيرة الى خسارة حزب حاكم ديموقراطياً والى حلول آخر مكانه.

ماذا عن الترشيحات في دائرة بعبدا - عاليه؟

لا يزال مبكراً الخوض في هذا الموضوع رغم اقدام الشهيدة الحية الزميلة مي شدياق ورئيس حزب "الوطنيين الاحرار" دوري شمعون على اعلان ترشيحهما لملء المقعد الشاغر في الدائرة المذكورة يوم الجمعة الماضي. لكن الخوض في ملامح المعركة الانتخابية ليس كذلك. فالواضح ان هناك معركة لملء المقعد بين تيارين واحد تمثله "القوات" التي لم تختر مرشحاً لها بعد رغم ميلها الى شدياق وآخر يمثله عون الذي يدعو الى التوافق لكن على المرشح الذي يختاره.

والواضح ايضاً ان هناك معركة اخرى على الوزن السياسي في البلاد بين الزعيم الجنبلاطي وحلفائه من سنة ومسيحيين وبين الثنائي الشيعي "حزب الله" وحركة "امل" وحلفائهما من مسيحيين ومسلمين ومن جهات اقليمية معروفة. الا ان السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو مَنْ من المرشحين شمعون والشدياق هو الاقدر على خوض معركة جدية مع تيار عون وربما الفوز فيها؟ الجواب عن ذلك ليس سهلاً. فعون لم يحدد مرشحه بعد. ومساعي التوافق اذا كانت هناك مساع كهذه لم تنته بعد او ربما لم تبدأ بعد. لكن ما يمكن قوله هو ان القاعدة الشمعونية في دائرة بعبدا – عاليه كانت دائما موجودة بقوة وخصوصاً قبل الحرب واثناءها. لكن لا أحد يعرف اذا كانت لا تزال على زخمها وخصوصاً بعدما نجح "الجنرال" عون في استقطاب غالبية المسيحيين منذ عام 1989 .

وما يمكن قوله ايضاً هو ان الزميلة شدياق تمثل الدم المسفوح من أجل استعادة لبنان سيادته واستقلاله وحريته وديموقراطيته. وهي بصفتها هذه قد تكون قادرة على اثارة تساؤلات داخل "الجمهور العوني" حول تحالفات قائده وسياساته وتالياً على انتزاع البعض من مؤيديه في الانتخابات. علماً ان هذه التساؤلات بدأت منذ مدة وخصوصاً منذ اغتيال النائب الشهيد جبران تويني.

وما يمكن قوله أخيراً هو ان وحدة المعارضين لعون في بعبدا – عاليه ولا سيما المسيحيين منهم لا تضمن فوز مرشحهم في انتخاباتها الفرعية، فكيف اذا تفرقوا وتنافسوا؟