متى وكيف انتصار "الثورة الصفراء"؟

مبروك لـ"حماس" انتصارها، ام انتصار الديمقراطية بثورتها "الخضراء"؟

منعطف تاريخي غني بالأمثولات والمترتبات يجعلنا نتساءل، للشبه والقربى بين "حماس" و"حزب الله"، متى ينتصر "حزب الله" للديمقراطية وبها، وكيف يقارب "حرب شبعا" بمثل ما قاربت به "حماس" من الواقعية والعقلانية انتصارها كمقاومة "خاضت انتخابات في ظل الاحتلال" – وتعلن "فخرها بالديمقراطية في ظل الاحتلال" من منطلق المقاومة، وها هي تتهيأ لتجاوزها الى تحمل المسؤوليات السياسية بتمهّل وانفتاح و"من غير املاءات من أحد"!

يسوقنا الى طرح هذه الاسئلة الطبيعية المؤتمر الصحافي الذي عقده خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لـ"حماس"، وفي دمشق بالذات...

وعندنا انه يجدر بالمقاومة اللبنانية ان تقرأ، بتمهّل وانفتاح وتعمّق، كل فقرة من نص خالد مشعل، متذكرة ان انتصارها بثورة "صفراء" كعَلَمها يستحق ان يكون ديمقراطياً، كانتصار الثورة الخضراء التي كانت منها أعنف وأكثر بذلاً (وأكثر تحرراً من "الاملاءات"!...).

ولعل أهم الأمثولات التي يجدر بـ"حزب الله"، قيادة ونواباً ومقاومين، ان يتبنّوها هي هذا القول: "ان الشعب الفلسطيني سيتوافق عبر الحوار على كيفية ادارة المعركة (...) يخطئ من يراهن على فشلنا. "حماس" نجحت في المقاومة وستنجح في السياسة والاصلاح والتغيير".

وفي هذا الإطار بالذات، اعرب رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" عن "استعداده لتوحيد السلاح الفلسطيني ولكن بتوافق فلسطيني، وتشكيل جيش مثل كل الدول المستقلة لاسترداد الحق الفلسطيني".

ترى، ألا يجدر بالمقاومة اللبنانية ان تتطلع هي كذلك الى توحيد السلاح اللبناني في إطار "جيش يدافع مثل كل الدول المستقلة" لاسترداد الحق اللبناني؟

ولماذا يتميّز "حزب الله" عن المقاومة الفلسطينية في هذا الأمر، فيحرم الجيش اللبناني شرف المشاركة في استرداد الأرض التي لا تزال محتلة، أي شبعا ومزارعها؟... إلا إذا كان يريد التشكيك في إيمان الجيش بهذا الحق وبواجب الدفاع.

هنا ملاحظة أوليّة آن أوان إبدائها: يا ليت حزب الله "يوظّف" قرباه مع دمشق في جعلها تعترف بلبنانية شبعا ومزارعها كي يتسنى لنا ان نحمّل الدولة مسؤولية استعادتها، بالديبلوماسية أولاً كما، عند الحاجة، بالمواجهة العسكرية... وقد أثبت الجيش اللبناني انه قادر على هذه المواجهة ولا يتأخر حين لا يُمنع عن ذلك، كما من جانب المنظمات الفلسطينية التي اقتطعت الجنوب واضطرت الجيش الى الخروج منه خلال حرب السنتين 1975-1976، حتى إذا ما اجتاحت اسرائيل الجنوب، وصولاً الى الليطاني، انتصرت على المقاومة ولم تجد جيشاً هناك يواجهها... كما واجهها مرة من قبل، بل مرات في الستينات وردّها على اعقابها منتصراً، رغم تفاوت التسليح!

ولعله آن الأوان لأن نذكّر المقاومة، الفخورة بما حرّرت من الجنوب، ان الديبلوماسية اللبنانية هي التي اضطرت اسرائيل الى الانسحاب مما احتلت عام 1978 عبر "تجييش" مجلس الأمن (بمثل الاجماع النادر الذي صار سائداً الآن...) وحمله على اتخاذ القرارين 425 و426 وتنفيذهما خلال ساعات بعد التصويت، فتشكلت قوة دولية لمراقبة الانسحاب الفوري، الذي توقف ويا للأسف عند حدود تمرّد العقيد سعد حداد في مرجعيون بالتواطؤ مع اسرائيل وعلى رغم وجود المقاومة الفلسطينية في محيطه حيث كان الشعب الذي نشأ منه في ما بعد "حزب الله" يشكو من سطوتها ومخالفاتها لكل قانون وشريعة... نقول ذلك لانه آن أوان المصارحة في كل ما يستوجبه الحوار الايجابي.

ومع ان القوات الدولية لم تكن تتمتع (كما كان يمكن لو طبّق الفصل السابع من الميثاق) بصلاحية استعمال القوة، فقد اقامت "منطقة أمانٍ وسلام" في الأرض التي تسلّمتها، وكلّفها ذلك شهداء للبنان ننساهم (كما نتناسى عمداً دور القوات الدولية بكاملها وهي لا تزال موجودة وعاملة!) من الجيوش الفرنسية والايرلندية والايطالية والغانية والفيدجية والنروجية وسواها. و"منطقة اليونيفيل" التي جلت عنها اسرائيل هي اضعاف اضعاف شبعا مساحة وسكاناً وخيرات ومياهاً، وهي الآن تعيش وتنمو في حالٍ مثالية بالنسبة الى المناطق الخاضعة للحرب المستمرة ومنها "مناطق حزب الله".

الى أين عملياً نريد الوصول من هذه الاستذكارات والمصارحات؟

الى التشبّه بما تريد ان تسعى اليه "حماس" من توحيد المقاومة والجيش، في التوجه والرؤية ولو من دون توحيد فوري للقيادة.

وهو أمر ليس بالمستحيل اذا ما قاربناه من المنطلقات الآتية:

أولاً: ان "المقاومين" مواطنون في كل لبنان ومنه. ويجب ان يتصرّفوا هكذا، وليس كأنهم مواطنون في بلد آخر اسمه شبعا فحسب!

ثانياً: ان القرارين 425 و426 ينصّان على ان من واجب القوات الدولية المساعدة في انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وصولاً الى الحدود المعترف بها دولياً. فماذا يمنع الرجوع الى المحاولة (بل المحاولات) التي جرت من قبل وفشلت لأن المقاومة الفلسطينية رفضتها، بل تصدّت لها بالقوة، وكذلك القوات الاسرائيلية والسورية في آن واحد؟

ثالثاً: من التاريخ ان الديبلوماسية والمقاومة طريقان متوازيان لاسترجاع الحقوق والأرض والتوصل الى سلام عادل وليس الى حرب دائمة. والسلام، انسانياً، أفضل من الحرب وهو الطموح الطبيعي للشعوب لا بل يتلازم مع النمو والتحضّر، بينما الحروب الدائمة أقرب الى طبائع المجتمعات البدائية، بل هي حال تسود فيها شرائع الغاب التي تسير بالشعوب الى حال عدمية، "نيهيلية" المنطق، هدامة. فماذا يمنع من التنسيق بين المقاومة والمفاوضة في نهج وطني متكامل مشترك، وفق السوابق التاريخية الأعظم كما في أوكرانيا منذ الحرب العالمية الأخيرة في وجه الاجتياح الألماني، وكذلك بولونيا في مراحل متلاحقة منذ قرون فضلاً عن فيتنام؟ تلك هي طريق الشعوب الناضجة القوية والحضارية.

في سياق هذا المنطق، وانطلاقاً من سوابق النجاحات التاريخية، ننتهي الى تكرار الاقتراح الذي ردّدناه مراراً وكرره سوانا كثيرون بشكل أو بآخر:

اولاً: نؤلّف وفد مفاوضة مشتركاً لاستعادة شبعا، من لبنان وسوريا وممثلين للمقاومة، كما كان الحال في "لجنة الهدنة السداسية" التي لعلها لا تزال قائمة ويمكن اللجوء الى بعثها. ويجري الاتفاق داخل هذه اللجنة على هوية شبعا والمزارع المحتلة وحدودها.

ثانياً: نطلب من الأمم المتحدة – التي هي عضو في اللجنة السداسية اصلاً – تقديم الخبرة في ترسيم الحدود، كما "الخط الازرق" بعد "تحرير جنوب الجنوب"، ثم رسم القواعد والأطر القانونية لمفاوضة اسرائيل.

ثالثاً: تجري المفاوضة مع اسرائيل بعد ذلك على أساس نقل شبعا من "تحت القرار 242" (باعتبارها محتلة منذ حرب حزيران 1967) الى "شرعية القرار 425" الذي نصّ على استرجاع لبنان كل اراضيه المحتلة من اسرائيل، أي بطلب التوسع في القرارات المتخذة إثر حرب 1982.

مستحيل ان تقبل اسرائيل؟

لا نظن الأمر كذلك. وهنا المجال امامنا لمثل الواقعية المقنعة "ثورياً - ديمقراطياً" فتكون تلك "ثورتنا الصفراء مثيلة ثورة حماس الخضراء".

وغني عن القول ان اشتراك "حزب الله" في الوفد المفاوض يبقي مجال التهديد لاسرائيل قائماً ولو ضمناً، أو بقدر كافٍ لاقناعها بالمفاوضة، من دون منعها بحرب...

ثم... ثم... غني عن القول ان المناخ الدولي مشجع ولو لاختبار هذا المسلك:

"حماس" ناشدت اوروبا الغربية التعاون معها في سياستها البراغماتية، وهي الأوروبا ذاتها التي تعاود الانفتاح على الحوار النووي مع ايران.

الزمن "البعد – شارون" لا يزال غامضاً في اسرائيل، وقد يتلقف أولمرت أو أي خليفة آخر هذه "النافذة" (وخصوصاً الاشتراك السوري والحزب – اللهي...) للدخول في اختبار التعامل التفاوضي مع العرب عموماً وعبر ذلك الفلسطينيين قبل الانزلاق الى مواجهة انتقال "حماس" وحكمها العتيد الى غزة.

فضلاً عن ان كل القراءات للأزمة التي يعيشها المجتمع السياسي الاسرائيلي تشير الى انه يئس من المواجهة "الغيتوية" بعد انتصار "حماس" الديمقراطي واستحالة انقاذ المستوطنات التي اضطر الى هدمها حتى نبي الحرب "الملك آريك شارون"!!!

ولعله صار يؤثر تلّمس السلام على تصعيد المواجهة.