في استطلاع أجري على عينة من البعثيين السوريين قبل عام أو يزيد، تبين أن ربع هؤلاء النشطاء والمنتسبين للحزب القومي العلماني الحاكم في سوريا، سيصوتون إذا جرت انتخابات حرة ونزيهة لصالح مرشحي الإخوان المسلمين.

ومن بين أهم الأرقام التي تسربت عن نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة، ذاك الذي يتحدث عن تصويت 22 بالمائة من منتسبي الأجهزة الأمنية وقوات الأمن الوطني لصالح حماس، وهي نسبة قريبة إلى مثيلتها في سوريا، بل وتعزز الثانية الاعتقاد بصحة الأولى. ما الذي تعنيه هذه الأرقام والمعطيات؟ هل بلغت ’’أسلمة’’ المجتمعات العربية حدا خارقا للسدود والحواجز الأمنية، هل أصبحت ’’الأسلمة’’ عابرة للأطياف والطبقات والايدلوجيات والأجهزة والمؤسسات، إلى هذا الحد الباعث على التساؤل والحيرة والقلق؟ في ظني أن ثمة عوامل إضافية لا بد من استحضارها لتفسير هذه الظواهر التي قد تكون ’’عربية’’ بامتياز، فالأسلمة المتفشية بتفشي نفوذ الجماعات الإخوانية والسلفية وغيرها، تفسر جزئيا هذه الظاهرة، لكنها لا تكفي وحدها لأغراض التفسير الموضوعي، فهي -أي الأسلمة- الوجه الآخر لمظاهر العجز والفساد والإفساد وسوء الإدارة والمحسوبية والجهوية والمناطقية والطائفية والقبلية والعوائلية، المتفشية بدورها في ثنايا المجتمع والدولة العربيين.

هي التعبير عن خيبة واخفاق بقية التيارات القومية واليسارية والليبرالية، التي لم تتخط في أحسن حالاتها حاجز العشرة بالمائة من الأصوات في أي انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة، بدلالة ما جرى في العراق ومصر وفلسطين، وهي الثمرة الطبيعية لسياسات التهميش والاقصاء المنهجي المنظم، التي اتبعتها نظم وحكومات، ضد الأحزاب السياسية والتيارات الفكرية الأخرى، وضد مؤسسات المجتمع المدني، وهي تنهض كشاهد حي وملموس، على ضيق مجامعاتنا ومواطنينا بالسائد من الخطاب والممارسة والرموز والوجوه، بل هي صرخة الاحتجاج المدوية في أزمنة الركود والجمود وعصر التمديد والتوريث والتجديد.

هي الشهادة على أن لا مأمن لأحد من هؤلاء البارونات والأباطرة، حتى في ’’مأمنه’’.. وهي ناقوس الإنذار الذي يقرع بقوة في أزمنة الصمت، والحجر الكبير الذي يلقى في مستنقع المراوحة الآسن. بيد أن المؤسف حقا، أننا فقدنا القدرة على التعلم من أخطائنا وأخطاء غيرنا، فقدنا القابلية لاشتقاق الدروس واستخلاص العبر، ألم يؤت السادات من مأمنه؟ وممن، من القوى التي أطلقها من قمقمها للانقضاض على اليسار والشيوعيين والقوميين. ألم تنقلب كثرة كاثرة من تلاميذ المدرسة الوهابية على سندة المدرسة وأصحابها؟ ألم يحول ’’المجاهدون’’ العائدون من أفغانستان والبلقان والقوقاز بنادقهم من كتف إلى كتف؟ ألم يأت زمن تعلم الدروس واشتقاق العبر والخلاصات، بعد أن مللنا البحث في جنس الملائكة؟ ألم يحن بعد وقت الإصلاح والتغيير الجريء والشامل؟ ألم تأزف بعد لحظة إعادة بناء التحالفات الاجتماعية والسياسية والفكرية على طريق التحول الديمقراطي، بدل المضي في سياسة التهميش والمصادرة والمراوحة!