ليس كثيرا ما يكتب عن المرأة عموما، وإن كان هناك جهد حميد ورائع تقوم به النساء السوريات من أجل إسماع صوتهن، وإشعار المجتمع بوجودهن، وتقديم مشكلاتهن كما يرينها هن أنفسهن إلى أبناء وطنهن، عسى أن يجدن لديهم التفهم المقبول والعون المطلوب.

ونطق المرأة السورية بلسانها الخاص أمر حضاري ورائع، يؤكد رغبتها في أخذ قضيتها بيدها، والدفاع عن حقوقها، بعد تعريفها وتقديمها إلى المجتمع: ساحة نشاطها والجهة التي سيتوقف عليها مستقبلها، ويجب علينا جميعا إعدادها بطريقة تجعلها تتقبل ما تقوله النساء وتطالب به، ليس فقط لأنهن نصف المجتمع، بل لأنهن أيضا الجهة التي تعلب الدور الأكبر والأخطر في صياغته وتحديد هويته وتعيين مصيره.

وإذا كان من غير الضروري القول إن مجتمعا يقصي نساءه عن شؤونه، لا يستحق أن يعتبر مجتمعا بأي حال من الأحوال، ما دامت عبودية المرأة وتهميشها ينتجان عبودية الرجل وتهميشه، وما دام التاريخ لم يقدم لنا مجتمعا تمكن رجاله من نيل حريتهم، إن بقيت نساؤه مستعبدات. لذلك لا حرية لمجتمع أو لمواطن إذا لم تبلغ المرأة حقها في أن تحدد شؤونها، ولم تعتبر مواطنة بالغة راشدة، مؤهلة للمشاركة في كل شيء، بقوة ما لديها من أفكار ومؤهلات، وقدرتها الخارقة على التضحية والحب، ودفئها ونضجها الإنساني، الذي نعم جميع الذكور به دون أي استثناء، سواء عندما احتضنتهم أمهاتهم أطفالا، أم حين عاشوا نعم الحب شبانا، أم عندما احتضنتهم أفئدة زوجاتهم رجالا، أم وضعت بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم أنفسهن في خدمتهم كهولا وشيوخا.

ولعله من الجنون المطبق والسادية وفصام الشخصية أن يرى الرجل في ابنته أو زوجته أو أمه أو أخته كائنا قاصرا، لم تؤهله الطبيعة لتحمل المسؤولية عن نفسه، فلا بد أن يخضع لما يقرره الذكور له، بالنيابة عنه وضد إرادته، وإلا كان مارقا أو خليعا أو جاحدا أو فاسقا أو جاهلا... الخ، من الضروري رضوخه بلا قيد أو شرط لما يقرره الذكور ضده من معايير وضوابط، ويفرضه عليه من ظلم وإجحاف، يبدأ بشن حملات افتراء عليه، ولا ينتهي عند حبسه وسلبه حريته باسم التقاليد والأخلاق، ومنعه من إبداء رأيه والتعبير عما يعمل في نفسه من أفكار ومشاعر. وبينما تشير دلائل كثيرة إلى أن المجتمع السوري يستعيد زمام أموره ، وإن المرأة تعلمت بدورها درس السنوات الصعبة الماضية، وقررت إسماع صوتها في شرط جديد يبشر ببزوغ فجر تصنعه مع من تم رميهم من أبناء وطنها إلى خارج الحياة العامة، تتعالى أصوات تنبعث من ماض كنا نظنه مضى منذ زمن بعيد، تزعم أن حرية المرأة تعني أمرا واحدا هو الإباحية، وأن لفكرها بعدا واحدا هو الانحلال الأخلاقي، وأن لوجودها في المجتمع أثرا واحدا هو تدميره وقتل كل ما هو نبيل وشريف فيه، وأنها إما أن تبقى سجينة المحبسين ، التخت والقبر، أو أن تقلب المجتمع إلى ماخور هي فيه الشيطان الرجيم. ومن الأسف أن هذه الأصوات لا تجد من يردعها، رغم ما فيها من امتهان للمرأة كإنسان ومن إنكار لحقوقها ومن عدوان عليها كمواطنة يجب أن يحميها القانون، وإلا فمؤسسات المجتمع المدني وحركاته وقواه السياسية، التي تكتسب جدارتها من حماية حقوق النساء وتوسيعها وتحويل المعركة من أجلها إلى معركة للحرية والمواطنة، يتوقف عليها مستقبل كل فرد في سورية، التي لن تنال كرامتها إن بقيت المرأة فيها مجرد عبد، وستكون بلدا حرا بحق، إن تمكنت نساؤها من نيل حقوقهن، والمشاركة في صنع مصيرهن ككائنات حرة وجديرة بالحرية، شأنها في ذلك أي مواطن آخر.

لا يجوز أن تبقى المرأة ضلعا قاصرا يستطيع كل من هب ودب فرض وصايته عليها ودفنها حية بحجج لا أخلاقية وحقيرة. ولن تسمح المرأة في الزمن الجديد لأحد بتقرير أمورها نيابة عنها أو بدلا منها، لأنها مواطنة كاملة الأهلية، ولان المجتمع السوري لن يقبل أن يقسمه أحد إلى نصفين، أحدهما، النساء، مجتمع عبيد يخضع لذكور يعيشون أحط أنواع العبودية بدورهم، لأنهم يستعبدون نساءهم، لكنهم لا يجدون أحدا يمارسون عقد عبوديتهم عليه غير من ولدنهم وأرضعنهم وربينهم وأفنين أعمارهن من أجلهم.

سورية في مفترق طريق. أما نساؤها، فهن يعين هذا ويفعلن الكثير من أجل تجديد حياتها وحياتهن، فإن فشلن لا قدّر الله، كان من الحتمي أن تنتقل الى حال أشد سوءا من حالها الراهنة، ستبقيها خارج التاريخ، لأن بعض من هم خارج التاريخ يريدون للمرأة أن تظل جارية عندهم، لا تعرف كيف تعيش خارج عباءاتهم.