فاجأت النتائج معظم المتابعين إذ تبوأت حماس مكانة الفصيل الأول، في انقلاب سياسي دراماتيكي، تم عبر صناديق الاقتراع. والأهم من ذلك أن الفارق لمصلحة حماس جاء كبيراً. فقد حصدت حماس 76 مقعداً (57 بالمئة) من مقاعد المجلس التشريع (132 مقعداً)، ما يمكنها وحدها من تشكيل الحكومة الفلسطينية، إن أرادت ذلك.

بالمقابل حصلت فتح على 43 مقعداً فقط (32 بالمئة) ويمكن تفسير التدهور الحاصل في مكانة (فتح) بعوامل متعددة، لعل أهمها: ـ تحملها وحدها مسؤولية الإخفاق في المهمات التاريخية التي أخذتها على عاتقها منفردة، كونها، أولاً، لم تنجح في خيار المفاوضات، ثانياً، لم تستطع التحكم بخيار الانتفاضة، ثالثاً، فشلت في بناء الكيان (السلطة)، على مرتكزات مؤسساتية وقانونية، رابعاً، اتهمت بإشاعة الفساد السياسي والمالي والمحسوبية والفوضى الأمنية، خامساً، تهميشها منظمة التحرير. في مقابل ذلك دخلت حماس الانتخابات من دون تحمل أي مسؤولية عن فشل الخيارات السابقة، على الرغم من أنها تتحمل قسطاً كبيراً في ذلك، لا سيما لجهة تعثر خيار المفاوضة والانتفاضة وبناء الكيان، بحرصها على فرض خياراتها السياسية والميدانية على الشعب الفلسطيني. ـ جرت هذه الانتخابات في توقيت سياسي وتنظيمي غير مناسب لحركة فتح (ويمكن أن يحسب ذلك لحسابها)، حيث أصر الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" على إجرائها، برغم ظروف حركته الصعبة، والأهم أنه رفض الضغوط لاستبعاد حماس. جدير بالذكر أن حركة فتح تعيش إرهاصات مرحلة انتقالية صعبة، وصلت إلى حد الفوضى، بعد رحيل زعيمها ياسر عرفات. فليس ثمة إجماع على مرجعية قيادية (سياسية وتنظيمية وميدانية) في هذه الحركة. وثمة عدم توافق وانسجام بين قيادتها، وثمة تجاذب بين القيادة والقواعد.

ومشكلة فتح، انها ليست تنظيماً بالمعنى المتعارف عليه، وهي أقرب للتجمع، والعضوية فيها جد هيولية. والأهم أن هذه الحركة تفتقد للحراك الداخلي، بالنظر إلى تحكم القيادة (اللجنة المركزية والرئيس عرفات سابقا) بكل شاردة وواردة فيها. والمشكلة انها افتقدت اخيراً للجدالات السياسية، وللتنوع والتعددية والحيوية، وللروح النقدية التي ساهمت في صعودها وإغناء تجربتها وتحولها بمثابة حركة لكل تيارات الشعب الفلسطيني، في الستينيات والسبعينيات. فالجدالات في هذه الحركة، منذ مرحلة تونس والسلطة، باتت تتمحور حول الامتيازات والمواقع وتعظيم النفوذ الشخصي.

وبالمحصلة، فقد أدى كل ذلك إلى ترهل فتح، ببنيتها وعلاقاتها وخطاباتها، والى انصراف كادرها وتبرمه من أوضاعها المتكلسة. ـ لا شك في ان غياب ياسر عرفات، قائد فتح، وهو مؤسس وزعيم ورمز الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بعلاقاته وبرغماتيته وكاريزميّته، خلف فراغاً قيادياً كبيراً في الساحة الفلسطينية، وبالأخص بالنسبة لفتح، التي كانت فقدت قادة كباراً قبله، من مثل: أبو جهاد، وأبو اياد. ومعروف أن أبا عمار صاغ فتح على طريقته، وتحكم بمفاتيحها، ومشكلة فتح انها اعتادت ذلك، الأمر الذي صعب الوضع على أبو مازن، بالرغم من جهوده لعقلنة هذه الحركة، وتحويلها من تنظيم القائد إلى تنظيم لذاته، فلا وضعه وطريقته بالعمل سمحا بذلك، ولا الوقت ولا الظروف ولا الإمكانات.4 ـ منذ فترة باتت الساحة الفلسطينية تعيش خرافة التعددية والتنوع، في حين أنها في الحقيقة تفتقر لكليهما، فالساحة الفلسطينية تكاد تكون مقسومة بين قطبين كبيرين (فتح وحماس)، يمارسان هيمنتهما على المجال السياسي والاجتماعي والأمني والمالي، كل من موقعه في السلطة والمعارضة. ويمكن القول هنا إن الساحة الفلسطينية باتت تفتقر للتيار الوطني الديموقراطي أو اليساري أو التيار الثالث، فهذا التيار يبدو ضعيفاً، بعد أن فقد مبرراته الايدلوجية، كما بات حائراً في خياراته السياسية، وعاجزاً لضعف إمكاناته. وهذا الواقع أسهم في هذا الاستقطاب الفلسطيني الحاد في الانتخابات.

طبعاً يمكن الحديث أيضاً عن أسباب موضوعية، ضمنها التدخلات الخارجية في الانتخابات وفي خيارات الفلسطينيين (لا سيما الأميركية والإسرائيلية)، وهذه التدخلات أضعفت السلطة وعززت حماس، بالنظر لنزعة التحدي عند الفلسطينيين.

وبديهي أن اسرائيل تتحمل مسؤولية عن نتائج الانتخابات لكونها دأبت على تقويض خيار التسوية والتملص من استحقاقاتها. المهم الآن بالنسبة لفتح وحماس والتيارات الأخرى، أخذ الدروس والعبر من هذه المحطة السياسية المهمة لقيادة الشعب الفلسطيني بأفضل وأنجع ما يمكن.