لو تمتعت حماس برؤية ثاقبة لكلفت حنان عشراوي بوزارة الخارجية، ليس لعلاقاتها الدولية ونجوميتها وقدرتها على التفكير ومخاطبة الغرب فقط، وإنما لطمأنة الداخل والعالم أولا، وتدلل على نظرة متطورة لقيادتها وديمقراطيتها، وعلى قبول الواقع والتعامل معه، فاستقطاب عشراوي لن تضاهيه دعاية أخرى لصالح حماس وهو ضربة معلم سريعة الأثر.

لقد تصادف النصر الكاسح لحماس مع ذكرى الهولوكوست اليهودي، ولكن بينما تزداد المحرقة عمقا وأثرا في العالم بالدعاية اليهودية، ما زالت حماس في قائمة المنظمات الإرهابية وحتى إشعار آخر مرهون بتصرفها الآن، كما فتح فوزها صفحة فلسطينية ضبابية يرتبط مصيرها بمنهج حماس الغامض ورؤيتها وعلاقاتها بالسياسة الدولية.

وفوزها يعني حقبة اجتماعية غامضة ومقلقة، فهي رؤية أحادية في مجتمع متعدد سياسيا واجتماعيا، ولهذا لجأ الفلسطينيون للتنفيس عن خوفهم من القادم بالنكات السياسية، وهو رد فعل نفسي طبيعي كاريكاتيري لا يتناسب وجدية الفلسطيني، ولكنه الضحك في اللحظات الفاصلة المرتعبة مما قد يحمله غدهم.

والتعامل -الفلسطيني والعربي والدولي- السريع مع نصر حماس السياسي واقع لا بد منه. وأكثر منه ضرورة هو إعلان حماس لمنهج واضح لا يتغير كل لحظة حسب أهواء عناصرها بعد استلام الحكومة، فالالتزام سيجعل فوزها أكثر قبولا وارتياحا. وإدارة مصير شعب سياسيا واقتصاديا تختلف عن القتال بالضربات السريعة والعمليات الانتحارية، وإدارة السلطة بأطيافها وتعدد مجتمعها تختلف عن المساعدات الاجتماعية لعناصرها ومنتسبيها. لقد خسرت فتح بداية لأنها فشلت في تقديم منهج حياتي، وعانت من انفصام حاد بين القيادة وقواعدها، وانعكس هذا في تصريحات وندوات قائمتيها المتنافستين على الفضائيات، وزايدت كل منهما في تقديم منهج سياسي دون الالتفات لحاجات الناس، وانصبت مناهجهم على تحرير الأسرى واستمرار المفاوضات، والأمر على أهميته لا يشبع حاجات الناس ولا يعيل عائلاتهم، ولا يصدقونه بداية لأن واقعهم يثبت أن الأمر في يد إسرائيل تفتح أبواب العمل وتغلقها متى شاءت، وسد الجوع والحاجة يسبق التحرير دائما بعيدا عن الشعارات.

لقد أضاعت فتح مصداقيتها في فساد عناصرها وبعدها عن العمل الاجتماعي واعتباره تحصيل حاصل، فأوكلته منذ اليوم الأول لحنان الوزير بحياتها الباذخة، وكان الثمن فشل وشل المنهج الاجتماعي، فالوزيرة نسيت كما الوزارات الأخرى ماذا يعني الاحتياج اليومي لقطاع الناس أو جوعهم.

لقد نجحت حماس -كما الحركات الإسلامية الأخرى- بعملها الاجتماعي حيث فشلت السلطة فيه حتى الآن. وإذا كان المؤشر الأول للتغيير المحتمل في منهج حماس هو تصريح خالد مشعل بـ ’’التعامل الواقعي مع أوسلو’’ لطمأنة العالم الغربي، فإن الأجدر هو الحوار مع التعددية الفلسطينية الفكرية والسياسية والدينية.

ولا يكفي رفع الشعارات أو التصريح، بل خطوات عملية تثبت هذا التوجه. ولا يكفي دمج الفصائل في جيش واحد كما أعلن مشعل، بل ضمان المساواة للجميع، فتح والجبهة الشعبية قبل حماس، والعلماني قبل الديني، والمسيحي قبل المسلم ليتعايشوا جميعا في تسامح تفرضه المرحلة وتقتضيه دقتها كمفصل أخير في القضية بل وفي وجود حماس.

وأية هفوة على مستوى أفراد حماس أو قادتها ستعيد المسألة الفلسطينية إلى بداياتها، وستؤكد أن نجاح حماس كان خطة غربية إسرائيلية لتدميرها والتخلص من وجع الرأس بإدخالها اللعبة السياسية ومزالقها، وجاء نتيجة حتمية لعرقلة المفاوضات، والتركيز العالمي على فساد السلطة وكوادرها لإدخال حماس مصيدة السياسة الدولية التي لن تخرج منها سالمة، لا هي ولا الشعب الفلسطيني إن لم تلعبها بحكمة وبعد نظر وبلا تمييز أو انتقام. أن يصير إسماعيل هنية مثلا رئيسا للوزراء صعب ، فالرجل مقاتل شرس ملتزم بما تقوله منظمته، وظل بعيدا عن المؤسسات وإداراتها، والمقاتل غير السياسي، وسيحتاج هنية أو غيره أن يتعلم كيفية التعامل مع الآخرين داخليا وعربيا ودوليا، والواقع الجديد يفرض عليه أن يكون أعداء الأمس أصدقاء اليوم، والمرونة والدبلوماسية والصبر على التفاوض، وإعلان منهج حماس وخطتها متوسطة المدى الملزمة لها في أمور عديدة:

- المفاوضات، وهو أمر جديد تماما على حماس ويتطلب عناصر متدربة، فالتشدد والفشل سيقلب الطاولة على رؤوس الفلسطينيين جميعا.
- العلاقات الدولية والدول المانحة شديدة الارتياب في منظمة تعتبرها إرهابية رغم وصولها الحكم بالديمقراطية الفلسطينية. وستحتاج الحكومة ’’ الحماسية’’ مال المانحين عاجلا، والتصريح باللجوء إلى المال الإسلامي والعربي بعيد عن الواقعية، فالسياسة الدولية لا يحكمها الدين فقط بل المصالح الاقتصادية أولا، ومن السذاجة أن تتوقع حماس مساعدات الحكومة المسلمة غصبا عن إرادة ورأس أمريكا بعد أن دخلت لعبة الحكم.

التعامل مع منظمات المجتمع المدني العالمية وتقديم نفسها إليها بطريقة عصرية متسامحة، لتثبت حماس للعالم أن الإسلام صالح للحكم والعدل، وإقامة دولة عصرية ديمقراطية، ’’فالإسلام هو الحل’’ تطبيق لا نظرية. أن تغير حماس جلدها وفكرها ومنهجها وتعاملها أمر ممكن رغم أنه معجزة تماما كما كان نجاحها الساحق، ولكنه الضرورة القصوى للحفاظ على فلسطين وشعبها، وأية هفوة لن تكلف حماس وجودها وإنما فلسطين والمنطقة.